علا الشربجي تكتب: حين تُقصف الطاقة… تُفتح أبواب الحرب الكبرى
نبأ الأردن -
لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد استعراض قوة أو تبادل رسائل نارية… بل دخلت أخطر مراحلها: ضرب مراكز الطاقة، داخل إيران وخارجها. هنا، لا يعود الهدف عسكرياً فقط… بل وجودياً، لأن من يضرب الطاقة، يضرب قدرة الدولة على البقاء.
في قلب الجنوب الإيراني، تقف حقل بارس الجنوبي، أكبر حقل غاز في العالم، شريان يغذي الداخل الإيراني ويمتد تأثيره إلى الأسواق العالمية. أي خلل فيه لا يُربك إيران فقط، بل يهز توازن الطاقة في المنطقة بأكملها.
وعلى الساحل .. حيث تتكثف أهمية الجغرافيا تبرز جزيرة خرج، بوصفها بوابة تصدير النفط الأولى لإيران. هذه الجزيرة ليست مجرد محطة تحميل… بل مركز حيوي تمر عبره غالبية الصادرات النفطية. إصابتها تعني عملياً خنق قدرة إيران على البيع والتأثير.
أما بندر عباس، فهي ليست فقط ميناءً استراتيجياً، بل عقدة ربط بين الداخل الإيراني ومضيق هرمز. هنا، تختلط الجغرافيا بالسياسة، ويصبح أي استهداف بمثابة رسالة بأن الممر العالمي للطاقة لم يعد آمناً.
ولا يمكن تجاهل بوشهر، حيث تتقاطع الطاقة التقليدية مع النووية. وجود منشأة نووية هناك يجعلها هدفاً حساساً للغاية، ليس فقط عسكرياً، بل استراتيجياً، لأن أي تصعيد في هذا الموقع يفتح الباب على سيناريوهات دولية خطيرة.
وفي العمق، تعمل مصافي مثل مصفاة عبادان ومصفاة بندر عباس على تحويل النفط الخام إلى وقود يحرك الاقتصاد. هذه المصافي هي القلب الصناعي للطاقة الإيرانية، وضربها يعني شلّ الداخل قبل الخارج.
ما يجري ليس مجرد استهداف مواقع… بل تفكيك منظومة:
ضربة لحقل… تعني أزمة إنتاج.
ضربة لميناء… تعني أزمة تصدير.
ضربة لمصفاة… تعني أزمة داخلية خانقة.
لكن إيران، التي استوعبت طبيعة اللعبة، لم تبقَ في موقع الدفاع. بل نقلت المعركة إلى خارج حدودها، مستهدفة نفس العصب لدى خصومها: الطاقة.
في الخليج، جاءت الضربة الأكثر دلالة حين استهدفت منشآت مرتبطة بإمدادات الطاقة في أرامكو السعودية، وتحديداً في بقيق وخريص. هذه ليست أهدافاً عادية… بل من أهم عقد إنتاج ومعالجة النفط في العالم. إصابتها لم تكن ضربة لدولة بعينها فقط، بل صدمة فورية لأسواق الطاقة العالمية.
وفي البحر، دخلت ناقلات النفط دائرة النار. عمليات الاستهداف قرب مضيق هرمز وفي خليج عُمان لم تكن أحداثاً معزولة… بل جزءاً من تكتيك مدروس: تهديد حركة الطاقة، ورفع كلفة التأمين، وزرع الخوف في أهم شريان نفطي على وجه الأرض.
وامتدت الرسائل إلى منشآت وبنى تحتية للطاقة في الإمارات العربية المتحدة، وكذلك إلى ساحات مفتوحة مثل العراق، حيث تتحول الجغرافيا إلى منصّة رسائل غير مباشرة، تضرب العمق دون إعلان.
ما يجمع كل هذه الضربات ليس المكان… بل الهدف:
ضرب الثقة في استقرار الطاقة.
إيران لم تكن بحاجة لإغلاق مضيق هرمز فعلياً… يكفي أن تثبت أنه لم يعد آمناً بالكامل.
ولم تكن بحاجة لتدمير شامل… يكفي أن تهزّ المنظومة.
وهنا تتكشف الحقيقة الأخطر:
الحرب لم تعد على حدود… بل على مفاصل الدولة… وعلى شرايين العالم.
كل صاروخ يُطلق، لا يستهدف موقعاً فقط… بل يستهدف سعر البرميل، وثقة الأسواق، واستقرار الدول.
وفي عالم يعتمد على الطاقة كالأكسجين، تصبح المعادلة واضحة ومرعبة:
من يضرب الطاقة… لا يوجّه ضربة لدولة فقط،
بل يضع العالم كله على حافة أزمة.


























