أحمد عبد الباسط الرجوب يكتب: إيران تقتل قادتها بأيدي مواطنيها؟ قصة الانكشاف الاستخباراتي الأكبر في التاريخ
نبأ الأردن -
تنويه: هذا المقال ليس ترويجاً لأي جهة استخباراتية. هو مجرد محاولة لوضع الحقائق بين أيدي القراء، لعلها تسهم في زيادة الوعي والفهم، وتكون دعوة للصحوة الأمنية التي باتت ضرورة ملحة في زمن تتقاطع فيه المصير.
عندما تتحول الأسرار إلى "كتاب مفتوح"
في تطور لافت، بات المشهد الأمني في المنطقة يشهد ظاهرة تستحق الوقوف: القدرة على تنفيذ عمليات نوعية، تسبقها فجوة زمنية في الإعلان عن النتائج. فما كان يُعد "أسواراً" يصعب اختراقها، أصبح "كتاباً مفتوحاً" أمام الأجهزة الإسرائيلية. المتابع يلاحظ "سبقاً" استخباراتياً في الإعلان عن نتائج عمليات حساسة، وكأن غرف العمليات في تل أبيب تجلس على طاولات صنع القرار في طهران وبيروت. هذا الفارق الزمني لم يعد تفصيلاً، بل دليل على حجم الاختراق.
البيجرات التي أودت بحياة الآلاف: درس في "الخيانة بالتقسيط"
لم تكن عمليات تفجير أجهزة الاتصال اللاسلكي (البيجر) التي استهدفت آلاف اللبنانيين مجرد حادث أمني عابر، بل كانت زلزالاً استخباراتياً.
انفجارات متزامنة خلفت أكثر من 30 قتيلاً ونحو 3000 جريح. ما يثير الدهشة أن التخطيط استمر عشر سنوات. وفقاً لاعترافات عملاء سابقين في الموساد، أنشأت دولة الكيان الاحتلالي شركات وهمية في المجر لخداع الشركة التايوانية المصنعة "غولد أبولو". تم تصنيع الأجهزة بحجم أكبر قليلاً لإخفاء المواد المتفجرة، واختبرت على دمى عدة مرات لتحديد الكمية المناسبة التي تؤذي حاملها فقط.
الخطر الأكبر: الجيل الجديد من التجسس لم يعد يعتمد على "الخيانة العقائدية"، بل على استغلال الحاجات الإنسانية البسيطة. عندما يشتري الناس أجهزة من السوق، قد يكونون وهم لا يعلمون جزءاً من عالم زائف صنعته المخابرات المعادية.
من اغتيال نصر الله إلى استهداف القيادة في إيران: هل وصل الاختراق إلى "الدائرة الصفراء"؟
المشهد الأكثر صدمة كان اغتيال الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في 27 سبتمبر 2024. كيف عرفت دولة الكيان الاحتلالي مكان وتوقيت الاجتماع بدقة؟ بل الأكثر خطورة، في 28 فبراير 2026، أعلنت دولة الكيان الاحتلالي اغتيال المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، وبعد ساعات أكد التلفزيون الإيراني الرسمي نبأ مقتله. وفي 18 مارس 2026، أكدت إيران اغتيال علي لاريجاني، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، في قصف صهيوني استهدفه ونجله.
الأكثر إثارة أن صحيفة "وول ستريت جورنال" كشفت أن استهداف العميد غلام رضا سليماني، قائد قوات "الباسيج"، جاء بعد بلاغ من إيرانيين أفادوا باختبائه داخل خيمة في منطقة مشجرة بطهران، فقُصفت فوراً. هذه المؤشرات تدل أن الاختراق ربما وصل إلى "الدائرة الصفراء" – أي المقربين من صانع القرار الأول.
الطامة الكبرى أن دولة الكيان الاحتلالي باتت تعلن الخبر قبل أن تستوعب الدولة المستهدفة ما حدث. وكشفت رواية "عشاء السبت" أن كبار قادة الجيش الإسرائيلي ذهبوا لمنازلهم ليلة الضربة التي اغتالت خامنئي، في خطوة لخداع الاستخبارات الإيرانية. هذا يعني أن تل أبيب تعرف ما يدور في المستشفيات والمقرات الإيرانية لحظة بلحظة.
غزة: استثناء يربك المعادلة
في الطرف المقابل، تقف المقاومة الفلسطينية في غزة شاهدة على مفارقة مذهلة. فبعد أكثر من عامين من الحرب، ورغم التفوق التكنولوجي الهائل، عجزت دولة الكيان الاحتلالي عن تحديد مكان الأسرى الصاينة بدقة. لماذا؟ لأن دولة الكيان الاحتلالي لم تستطع تجنيد "الحلقة الأولى" المقربة من صانع القرار في المقاومة. هذا يعترف به مسؤولون صهاينة. هنا يكمن السر: الحفاظ على سرية المعلومات يتطلب وعياً أمنياً استثنائياً، وقدرة على عزل الدوائر الأكثر حساسية. غزة أثبتت أن التكنولوجيا وحدها لا تكفي، وأن الإيمان بالقضية يبقى الدرع الأقوى.
أين أجهزة استخبارات الدول؟
السؤال الأكثر إلحاحاً: أين كانت أجهزة المخابرات في الدول التي تعرضت للاختراق؟ المشكلة أن بعض الدول تعاملت مع التهديد الاستخباراتي كملف تقليدي، بينما تطورت أدوات الاختراق بشكل مذهل. زعمت صحيفة "فايننشال تايمز" أن وحدة "8200" والموساد تمكنتا من اختراق معظم كاميرات المراقبة في طهران، وتحليل البيانات لبناء "خريطة حياة" دقيقة للحراس المحيطين بخامنئي. لكن في غزة، أثبتت المقاومة قدرة استثنائية على حماية معلوماتها، كما أن دولة الكيان الاحتلالي نفسها تعرضت لاختراق كبير في 7 أكتوبر 2023.
تفسيران لمشهد الانكشاف
أولاً: التفوق التكنولوجي. الحرب السيبرانية بلغت مستويات غير مسبوقة، وعمليات البيجر خير دليل على اختراق سلاسل التوريد.
ثانياً: الاختراق البشري. القدرة على توظيف الأشخاص العاديين في التجسس دون علمهم، باستغلال الحاجة لا الولاء. المواطن العادي قد يكون أداة بيد المخابرات المعادية دون أن يدري.
خلاصة: معركة الردع المفقود
ما يحدث اليوم يتجاوز العمليات العسكرية. إنه تآكل كامل لـ"الردع الأمني". عندما تعلن جهة ما ضرباتها قبل أن تستوعب الدولة المستهدفة الخبر، فهذا يعني انهيار معادلة الردع. وفي هذا الاطار : "يبدو أن المناصب العليا في إيران أصبحت وظائف عالية المخاطر! كلما تمت ترقية مسؤول يقترب أكثر من قائمة الاستهداف" .
الخوف لا ينحصر في تداعيات هذا الانكشاف على دولة بعينها، بل في كونه مؤشراً على هشاشة المنظومة الأمنية الإقليمية. يبقى السؤال: هل المنطقة على وشك الدخول في مرحلة جديدة، حيث تصبح المعلومات هي السلاح الأفتك؟
الأيام القادمة كفيلة بكشف حجم الكارثة، بعد فوات الأوان.
باحث ومخطط استراتيجي


























