عاطف أبو حجر يكتب: دور الحلاقة

عاطف أبو حجر يكتب: دور الحلاقة
نبأ الأردن -
لا شيء يُشبه ازدحام الأسواق في ليلة العيد… إلا ازدحام صالونات الحلاقة. هناك، حيث الكراسي تدور أكثر من عقارب الساعة، والمقص يعمل بلا توقف، تبدأ حكايات الانتظار الطويل، وتظهر شخصيات لا تراها إلا مرة في السنة. في هذا العالم الصغير، يصبح "الدور” قضية مصيرية تُدار بنظرات حادة أحيانًا… وبنَفَس طويل دائمًا.

في كل رمضان، وقبل ليلة العيد بيومين، كنت أذهب أنا وابني أحمد وآخر العنقود زيد إلى الحلاق، وكأننا في مهمة سنوية مقدسة لا تقبل التأجيل. كانت الأمور تسير بسلاسة عجيبة، دون منغصات تُذكر، وكأن الحلاق يقرأ أفكارنا ويُحضّر المقص قبل وصولنا. لكن هذا العام… قرر الكون أن يضيف نكهته الخاصة: حرب،وصفارات إنذار وصواريخ، ومسيّرات، وبرد قارص، وصيام مرهق… وممتع في الوقت ذاته، لأن الإنسان العربي—بطبيعته—يحب التحديات حتى في قصّ الشعر!

دخلنا الصالون بعد الأذان بنصف ساعة، وقد كنت قد أبلغت الحلاق مسبقًا بقدومنا، كمن يحجز مقعدًا في طائرة إغاثة لا في صالون حلاقة. بدأ الحلاق عمله بقصتي المعتادة، تلك التي تُخفي وقار الشيب أكثر مما تُظهره، وتوحي للناس أنني ما زلت في ريعان الشباب.

وفجأة… دخل المشهد بطلٌ جديد.

شاب نحيف طويل، يرتدي بدلة رياضية، وكأنه خارج للتو من ماراثون الغضب. نظر إليّ نظرة اخترقت المرآة، ثم قال بصوت يحمل برودة الطقس وحرارة الموقف: "إيش يا محمد—والحديث هنا للحلاق طبعًا—مش حكيتلك إني جاي أحلق بعد الفطور؟”

رد الحلاق ببرود الحكماء: "طيب شو أسويلك؟ ما إنت اتأخرت، والجماعة إجوا قبلك.”

هنا بدأ العرض الحقيقي.

تنهد الشاب زفرةً تُلخّص معاناة البشرية، وبدأ يدور في الصالون كعصفور ضلّ طريقه إلى الحرية. يمشي، يقف، ينظر، يتأفف، ثم يرمقني بنظرات وكأنني المسؤول عن تأخره منذ ولادته!

عندها شعرت أن كرامة "منتظرين الدور” قد مُسّت، فقلت بصوت لا يخلو من البلاغة والبرود المقصود: "بتعرف يا محمد، أنا كنت ناوي أجي بعد الفطور بعشر دقايق، بس قلت أكيد لسه بتفطر… وما بدنا نأخرك، خصوصًا إنّا ثلاثة.”

ابتسم الحلاق ابتسامة فيها شيء من الشماتة، وغمزني وكأنه يمنحني وسام "حارس الطابور”.

أما الشاب… فتنهد مرة أخرى، وكأنها نهاية فصل درامي، ثم جلس… ثم—وبكل بساطة—نام!

نعم، نام! وفي لحظة تاريخية، تحوّل من خصم غاضب إلى "مشروع نائم” يشخر على المقعد الثلاثي، وكأن الصالون تحوّل إلى فندق خمس نجوم!

عندها خطرت لي فكرة: لماذا لا يتم تركيب جهاز تذاكر؟ أو تطبيق تقنية "الفار”… نعم، VAR الحلاقة! يُعاد فيه النظر في أحقية الدور، وتُحتسب دقائق التأخير، ويُمنح كل زبون إنذارًا قبل أن يُشطب اسمه من قائمة "المقص العادل”.

خرجنا من الصالون بعد أن دفعنا الحساب للحلاق، ذلك الرجل الإداري الفذ الذي يدير الأزمات بمقص ومشط وابتسامة—وتركنا خلفنا بطلنا النائم، غارقًا في سابع نومة، يحلم—على الأرجح—أنه جاء في الوقت المناسب.

وهكذا، تبقى دور الحلاقة في ليلة العيد أكثر من مجرد مكان لقص الشعر؛ إنها مسرح إنساني حي، تتقاطع فيه الأعصاب، وتتصادم فيه التوقعات، وتُختبر فيه أخلاق الانتظار. هناك، لا تُقاس الأناقة بطول الشعر، بل بطول البال… ولا يُحسم الدور بالمواعيد، بل بالحضور—وأحيانًا بالشخير!
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions