د. عبدالله محمد القضاه يكتب: الأردن: بين مطرقة التهديدات وسندان الفرص
نبأ الأردن -
يمر الأردن بمرحلة حساسة تتطلب تقييماً دقيقاً للوضع الراهن. لا يعود ذلك إلى ضعف مؤسسي، بل إلى موقعه الجيوسياسي في منطقة تشهد اضطرابات متزايدة، حيث تنشغل الدول المجاورة بأجنداتها الخاصة، مما يضع الأردن أمام تحديات استراتيجية.
المشهد الغربي: تحولات صامتة على الحدود الغربية، تتواصل عملية تغيير الحقائق على الأرض من قبل إسرائيل. يتم ذلك عبر قرارات إدارية وإجراءات قانونية تهدف إلى نقل صلاحيات تسجيل الأراضي وتكريس واقع جديد. يثير هذا المسار القلق لكونه يتم بشكل تدريجي، مما يقلل من احتمالية ردود الفعل الدولية الفورية.
بالنسبة للأردن، لا تقتصر هذه القضية على التضامن الإقليمي، بل تمثل تحدياً وجودياً. أي تغيير جوهري في الضفة الغربية، أو أي ضغط قد يؤدي إلى نزوح سكاني فلسطيني غير مباشر، سيكون له انعكاسات مباشرة على الوضع الداخلي الأردني. قد تفرض موجات النزوح الجديدة ضغوطاً إضافية على الاقتصاد، وتحديات ديموغرافية، وأعباء أمنية متزايدة.
الجانب الشرقي: أدوات التأثير غير التقليدية في الشرق، تبرز ديناميكية أخرى تتمثل في استخدام إيران لأدوات غير تقليدية، مثل شبكات النفوذ والوكلاء والأنشطة العابرة للحدود، بدلاً من الاعتماد على الجيوش النظامية. شهدت السنوات الأخيرة تصاعداً في مؤشرات هذا النشاط، بما في ذلك محاولات استهداف المصالح الأردنية وتهريب الأسلحة والمخدرات.
يكمن الخطر الأكبر في استغلال هذه الأدوات لاختراق النسيج الاجتماعي، من خلال استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة أو الفجوات الاجتماعية لخلق بيئة مواتية للفوضى. تتطلب هذه التهديدات استجابة شاملة لا تقتصر على الأجهزة الأمنية، بل تستدعي وعياً مجتمعياً وجبهة داخلية متماسكة.
أما حول استراتيجية الدولة في التعامل مع التحديات ، تتبع المؤسسات الأردنية منهجية استباقية في التعامل مع المخاطر، بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل اللحظية. على المستوى الأمني، تعمل الأجهزة الاستخبارية على رصد التهديدات قبل وصولها إلى الحدود، مع تطبيق رقابة مشددة وتصدي حازم لأي محاولة اختراق. يعكس قرار العودة إلى نظام خدمة العلم فهماً عميقاً بأن الدفاع عن الوطن مسؤولية جماعية تشمل المجتمع بأسره.
سياسياً، يحافظ الأردن على دوره كصوت عقلاني في المنطقة، رافضاً تصفية القضية الفلسطينية وأي حلول تمس سيادته. كما يعمل على تنويع علاقاته الدولية لتعزيز هامش المناورة.
الفرص الكامنة في ظل المخاطرعلى الرغم من التحديات، فإن الظروف الإقليمية الراهنة تخلق فرصاً محتملة. في ظل عدم الاستقرار الإقليمي، تبحث رؤوس الأموال عن بيئات آمنة. يمكن للأردن، بفضل استقراره النسبي وسمعته المؤسسية، أن يصبح وجهة جاذبة للاستثمارات الإقليمية.
يتطلب تحويل هذه الفرصة إلى واقع جهداً منظماً وسريعاً، يشمل:تحديث البيئة التشريعية: لجعلها أكثر تحفيزاً للاستثمار. تبسيط الإجراءات الحكومية: لتسهيل ممارسة الأعمال. التركيز على القطاعات الواعدة: مثل الطاقة المتجددة، المياه، الخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا. استثمار الشراكات الدولية: خاصة مع الدول الأوروبية، لتمويل المشاريع الكبرى. يمنح الموقع الجغرافي للأردن ميزة إضافية لتمكينه من التحول إلى مركز لوجستي إقليمي، خاصة مع التغيرات في خريطة التجارة العالمية.
معادلة الأمن والتنمية ؛يكمن التحدي الرئيسي في تحقيق التوازن بين متطلبات الأمن وضرورات التنمية. فالدولة التي تنغلق أمنياً قد تخسر اقتصادياً، بينما الدولة التي تنفتح دون ضوابط قد تعرض أمنها للخطر. وتتطلب الموازنة الفعالة ما يلي:حزم: في حماية السيادة الوطنية. مرونة: في إدارة الاقتصاد، توازن: في العلاقات الخارجية، وتعزيز: الجبهة الداخلية كأساس للصمود.
صمود الأردن التاريخي، يمتلك الأردن تاريخاً طويلاً في التعامل مع الأزمات، حيث صمد لعقود في وجه الحروب وموجات اللجوء والاضطرابات الإقليمية. يعزى هذا الصمود إلى تراكم الخبرة المؤسسية، وقيادة تدرك حجم المخاطر، وثقة الشعب بدولته. على الرغم من صعوبة الواقع ووجود المخاطر، فإن الفرص قائمة، والنجاح يعتمد على القدرة على إدارة هذه المعادلة المعقدة بوعي وحذر، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية.
* أمين عام سابق






















