يحيى الحموري يكتب: العالم يُختطف إلى حافة الانزلاق والمصير المجهول
نبأ الأردن -
في المنعطفات الكبرى من تاريخ الأمم، لا تكون الأزمات مجرّد أحداث عابرة، بل مرايا تعكس طبيعة العقول التي تُديرها، وحدود الحكمة التي تضبط إيقاعها. فالعالم، بكل ما يحمله من توازنات دقيقة، قد لا ينهار بضربةٍ واحدة، بل يتآكل تدريجياً حين تُختزل القيادة في نزعاتٍ فردية، وتُدار المصائر بمنطق اللحظة لا بمنطق المآلات.
لقد أفرز المشهد الدولي في السنوات الأخيرة نماذج قيادية أثارت جدلاً واسعاً، من بينها ترامب والنتن ياهو ، حيث لم يعد النقاش يدور حول اختلافٍ مشروع في الرؤى، بل حول طبيعة الخطاب ذاته، وحدود التزامه بالحقيقة، ومدى انسجامه مع مسؤولية القيادة في عالمٍ متشابك المصالح شديد الحساسية.
إن أخطر ما يواجهه النظام الدولي اليوم ليس فقط تصاعد الأزمات، بل تآكل الثقة في الروايات التي تُقدَّم لتفسيرها. وحين تصبح الحقيقة عرضةً لإعادة التشكيل وفق مقتضيات السياسة، يتزعزع الوعي الجمعي، وتفقد المجتمعات قدرتها على التمييز بين ما هو واقع وما هو مُصاغ لخدمة أهدافٍ آنية.
لقد تحوّل الخطاب السياسي -في بعض تجلياته- من أداة توضيحٍ إلى وسيلة تعبئة، ومن منصةٍ للحقائق إلى ساحةٍ للصياغات الانتقائية. ومع تكرار التناقضات، وتبدّل المواقف، يُعاد إنتاج واقعٍ موازٍ، تُدار فيه الأزمات بمنطقٍ أقرب إلى الاستعراض منه إلى المسؤولية، وتُختزل فيه الشعوب إلى أرقامٍ في معادلات النفوذ.
وما يزيد المشهد تعقيداً أن هذا النمط من القيادة لا يكتفي بإدارة الأزمات، بل يُعيد تعريفها، ويضخّمها حيناً، ويُبسّطها حيناً آخر، وفق ما تقتضيه الحسابات السياسية. وهنا، لا يعود الخطر في القرار ذاته، بل في المنهج الذي يُنتجه- منهجٍ يُقصي التوازن، ويُضعف المؤسسات، ويُربك قواعد النظام الدولي.
إن العالم، في ظل هذه التحولات، يقف أمام سؤالٍ وجودي: هل تُدار القوة بوصفها أداةً لتحقيق الاستقرار، أم تُستخدم كغايةٍ تُبرّر ذاتها بذاتها؟
فحين تنفصل القوة عن الحكمة، تتحول من عنصر توازن إلى عامل اضطراب، ومن وسيلة حماية إلى مصدر تهديد.
ولا يمكن إغفال أن استمرار هذا النهج، دون مساءلةٍ حقيقية أو توازنٍ فعّال، يُسهم في تكريس حالةٍ من الهشاشة الدولية، حيث يصبح التصعيد خياراً سهلاً، والحلول العاقلة خياراً مؤجلاً. فالصمت الدولي-أو الاكتفاء بردود الفعل-لا يُنتج استقراراً، بل يفتح المجال لمزيدٍ من الانزلاق نحو المجهول.
من هنا، تبرز الحاجة الملحّة إلى استعادة جوهر القيادة: قيادةٍ تُدرك أن الشرعية لا تُبنى بالقوة وحدها، وأن الحقيقة ليست مادةً للتشكيل، بل أساسٌ لأي نظامٍ مستقر. كما تبرز مسؤولية المؤسسات الدولية، والنخب الفكرية، والدول المؤثرة، في إعادة ضبط البوصلة، ليس عبر التصعيد، بل عبر تفعيل أدواتٍ أكثر رسوخاً: المساءلة، والشفافية، وتعزيز دور القانون الدولي بوصفه مرجعيةً لا خياراً انتقائياً.
إن الدعوة هنا لا تستهدف أشخاصاً بقدر ما تُخاطب نهجاً، ولا تسعى إلى صراعٍ بقدر ما تنشد توازناً. فالعالم لا يحتاج إلى مزيدٍ من الضجيج، بل إلى قدرٍ أعلى من الحكمة، ولا إلى استعراض القوة، بل إلى ضبطها ضمن أطرٍ تحفظ المعنى قبل المصالح.
وفي خاتمة المطاف، تبقى الحقيقة الأكثر حضوراً:
أن العالم لا يُقاد فقط بقراراتٍ تُتخذ، بل بالوعي الذي يوجّه هذه القرارات.
فإن كان الوعي مضطرباً، اضطرب معه كل شيء، وإن غابت الحكمة، لم يعد السؤال: من يملك القوة؟
بل: من يملك القدرة على منع العالم من السقوط.

























