إحسان الفقيه تكتب : لم يكن الدم السوري بالنسبة لعلي لاريجاني -فوضى… بل “ملفًا”!!
نبأ الأردن -
ليست خطورة بعض الرجال فيما يقولون، بل فيما يُرجِّحون حين تتعادل الكفّتان.
وهنا تحديدًا، تبدأ الحكاية التي لم تُكتب كما ينبغي عن علي لاريجاني.
لم يكن لاريجاني –في جوهره– رجل ميليشيا دموية ولا قائد ميدان مُفخخ بالطائفية والذبح على هوية الخصوم ، ولم يكن ذلك الخطيب الصاخب الذي يحرّض الجماهير أو يملأ الشاشات بالشعارات.
كان أخطر من ذلك بكثير: عقلٌ بيروقراطي هادئ، يجلس في غرفة القرار، ويُرجّح كفّة الحرب دون أن يحمل بندقية.
في اللحظات الفاصلة، لا يصنع التاريخ من يطلق الرصاصة، بل من يقرر أن تُطلق.
الرواية التي تتحدث عن صوته الحاسم في لحظة توازن داخل مجلس الأمن القومي –سواء دقّت تفاصيلها أم لا– تكشف حقيقة أعمق:
أنّ منظوماتٍ كاملة قد تتردد، لكن رجلًا واحدًا يملك موقعًا مناسبًا، وعقلًا محسوبًا، يمكنه أن يدفع المنطقة كلها خطوةً إلى الهاوية… أو يمنعها.
وهنا تكمن خصوصية لاريجاني.
لم يكن صاحب فكرة "تصدير الثورة” في أصلها،
ولا مهندس "الهلال الإيراني” في خطوطه الكبرى،
لكنه كان من أولئك الذين حوّلوا النظرية إلى قرارٍ قابل للتنفيذ.
هو حلقة الوصل بين العقيدة والسياسة، بين الشعار والمؤسسة، بين الحلم الإمبراطوري وآلياته الواقعية.
ولهذا، فإن اختزاله في "صوتٍ مرجّح” يظلمه… كما أن تبرئته منه يزوّر التاريخ.
الحقيقة الأعمق أن لاريجاني كان يمثل الوجه الأكثر عقلانية داخل مشروع غير عقلاني.
وهذه مفارقة خطيرة؛ لأن "العقلانية” هنا لم تكن كابحًا للمشروع، بل أداةً لتنفيذه بكفاءة أعلى، وبتكلفةٍ محسوبة، وبخطابٍ يمكن تسويقه سياسيًا.
لم يكن الدم السوري بالنسبة له فوضى… بل "ملفًا”.
ولم تكن المدن المدمّرة مأساة… بل "أثمانًا استراتيجية”.
وهذا هو الوجه الذي لم يُكتب عنه كثيرًا:
أن أخطر ما في بعض الأنظمة ليس جنونها، بل عقلها البارد.
لأن المجنون قد يدمّر لحظة، أما العاقل البارد فيُطيل عمر التدمير سنوات.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس:
هل كان لاريجاني هو من قرر التدخل في سوريا؟
بل:
كيف تحوّل قرار بهذا الحجم إلى مسألة يمكن أن يُحسم ترجيحها عبر اتصال؟
هذا وحده يكشف طبيعة النظام الذي كان جزءًا منه؛
نظامٌ تُدار فيه مصائر الشعوب أحيانًا بأصواتٍ قليلة، لا لأنهم يملكون الحقيقة، بل لأنهم يملكون الموقع.
أما الحديث عن مقتله، أو عن "عدالة السماء” في لحظة سقوطه، فهو تعبيرٌ مفهوم عن وجعٍ تراكم عبر سنوات.
لكن الحقيقة التي لا ينبغي أن تُنسى:
أن لاريجاني –بشخصه– لم يكن سوى تجلٍّ لعقلٍ أوسع، ومنظومةٍ أعمق، ما زالت قائمة.
فالمشكلة لم تكن يومًا في رجل… بل في فكرة.
ولا في قرار… بل في عقلية ترى في النفوذ حقًا، وفي الخراب وسيلة، وفي الشعوب مجرد تفاصيل على هامش مشروع أكبر.
ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن يحدث اليوم…
أن يُختزل كل ذلك في اسمٍ واحد، فيُدفن معه، بينما تبقى الفكرة حيّة، تبحث عن "صوتٍ مرجّح” جديد..
==
إحسان الفقيه

























