د. وليد العريض يكتب: ليلة القدر… حين يبدأ النصر من القلب
نبأ الأردن -
ليلة القدر ليست مجرد ساعات مباركة تمضي في العبادة ثم تنقضي، بل هي لحظة صفاء كبرى تعود فيها الروح إلى أصلها الأول. في هذه الليلة تهدأ ضوضاء الدنيا وتلين القلوب ويشعر الإنسان أن السماء أقرب إلى الأرض من أي وقت آخر.
إنها ليلة يُراجع فيها المؤمن نفسه قبل أن يراجع العالم ويُصلح قلبه قبل أن يفكر في إصلاح الواقع من حوله.
ولهذا فإن استثمار ليلة القدر لا يبدأ من الشعارات الكبيرة، بل يبدأ من إصلاح النفس. ففي هذه الليلة يقف الإنسان أمام ربه وقفة صدق، يتخفف من أعباء الغضب واليأس والحقد ويغسل قلبه بالتوبة والاستغفار. يدعو الله أن يجعله عنصر خير في هذا العالم وأن يحرره من الضعف والخوف واللامبالاة.
فالأمم لا تنهض إلا بقلوبٍ حية ولا يُكتب لأي عملٍ عظيم أن يولد من قلبٍ غافل.
ثم تمتد بركة هذه الليلة إلى الأسرة، حيث تتجلى التربية الحقيقية في أبهى صورها. تجتمع الأسرة حول القرآن والصلاة والدعاء، فيتعلم الأبناء أن الدين ليس كلمات تقال، بل قيم تعاش.
يتحدث الآباء مع أبنائهم عن معنى الرحمة والعدل ونصرة المظلوم ويغرسون في نفوسهم أن الإنسان لا يكون مؤمنًا كاملًا حتى يشعر بآلام الآخرين ويشاركهم الدعاء والرجاء.
ومن الأسرة ينتقل نور هذه الليلة إلى المجتمع والوطن. فالمجتمع الذي تتلاقى قلوب أبنائه على الخير يصبح أكثر قدرة على مواجهة التحديات. في ليلة القدر يتذكر الناس أن قوة الأمم لا تُبنى فقط بالسلاح والاقتصاد، بل تبنى قبل ذلك بروح التضامن والكرامة والوعي. حين يتعاون الناس في الخير، ويتكاتفون لرفع الظلم عن المظلومين، يصبح المجتمع أكثر تماسكًا وأقدر على حماية إنسانيته.
أما على المستوى الأوسع، فإن ليلة القدر تذكّر الأمة كلها برسالتها الكبرى. فقد جاء الإسلام ليقيم العدل ويرفع الظلم ويحفظ كرامة الإنسان. وفي عالم يمتلئ اليوم بالمآسي والاعتداءات والحروب، وفي مقدمتها ما يعانيه الشعب الفلسطيني من ظلم وعدوان، تصبح هذه الليلة فرصة لتجديد العهد مع قيم النصرة والرحمة. فالدعاء الصادق للمظلومين، ومساندتهم بما نستطيع من خير، وجبر خواطرهم، وإبقاء قضيتهم حيّة في ضمير الأمة، كل ذلك من الأعمال التي تندرج في معنى نصرة الحق الذي أمر الله به.
إن ليلة القدر تعلمنا درسًا عظيمًا: أن التغيير الحقيقي يبدأ من الداخل. فإذا صلحت القلوب، واستيقظ الضمير، وتوحدت النفوس حول قيم العدل والرحمة، فإن الأمة تستطيع أن تحول المحنة إلى قوة، والظلم إلى قضية عدل لا تموت.
فلنجعل هذه الليلة بداية نور في قلوبنا، وبداية وعي في بيوتنا، وبداية تضامن في مجتمعاتنا، حتى يبقى الأمل حيًا في الأمة، وحتى يشعر كل مظلوم في هذا العالم أن هناك قلوبًا تدعو له، وأمةً لا تنسى حقه ولا تتخلى عنه.

























