د. عبدالله محمد القضاه يكتب: حين يرحل القادة… هل تتغيّر الحروب في الشرق الأوسط؟
نبأ الأردن -
في خضم التصعيد الجيوسياسي المتزايد، غالباً ما تميل التحليلات العامة إلى تبسيط تعقيدات الحروب، واختزالها في شخصيات القادة الذين يقودونها. إلا أن التجربة التاريخية والسياسية تُظهر بوضوح أن الصراعات الكبرى نادراً ما تنشأ بقرار فردي، وبالمثل، قلّما تنتهي برحيل صانع القرار. ومع احتدام المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران، وما يصاحبها من دعم سياسي وعسكري أمريكي، يبرز تساؤل محوري في الأوساط السياسية والإعلامية: هل يمكن أن يشهد مسار الصراع تحولاً جوهرياً بغياب القادة المؤثرين في المشهد الراهن؟
بعبارة أخرى، ما هو الأثر المحتمل لغياب شخصيات قيادية مثل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب عن دائرة التأثير السياسي، أو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عن سدة السلطة؟ وهل يمكن لمثل هذه التغيرات أن تفضي إلى تهدئة الصراع أو إعادة تشكيل معادلاته القائمة؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب قراءة معمقة لطبيعة الصراعات المعاصرة، التي لم تعد تُدار وفقاً لإرادة الأفراد فحسب، بل أصبحت محكومة بمنظومات مؤسساتية واستراتيجية تتجاوز الأشخاص، وتستند إلى شبكة معقدة من المصالح والتحالفات الإقليمية والدولية.
حدود تأثير القيادة السياسية في القرار الأمريكي
لا شك أن شخصية الرئيس الأمريكي تلعب دوراً محورياً في صياغة أسلوب إدارة السياسة الخارجية للولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن الاستراتيجية الأمريكية الكبرى لا تُصاغ في أروقة البيت الأبيض بمعزل عن المؤسسات الأخرى. فمؤسسات عريقة مثل وزارة الدفاع، والكونغرس، ومجلس الأمن القومي، بالإضافة إلى مراكز الفكر الاستراتيجي، تُشكل مجتمعة الإطار العام الذي يحكم السياسة الأمريكية.
ضمن هذا الإطار المؤسسي، تنظر واشنطن إلى إيران كقوة إقليمية تسعى إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط، وذلك عبر شبكة نفوذ سياسي وعسكري تمتد من منطقة الخليج العربي وصولاً إلى شرق البحر الأبيض المتوسط. وعليه، فإن أي إدارة أمريكية – بغض النظر عن توجهاتها السياسية – تميل إلى تبني سياسة ترتكز على ثلاثة محاور أساسية: احتواء النفوذ الإيراني، ومنع تحولها إلى قوة إقليمية مهيمنة، والحفاظ على أمن واستقرار الحلفاء في المنطقة.
من هذا المنظور، فإن رحيل شخصية سياسية بارزة مثل دونالد ترامب قد يُحدث تغييراً في أسلوب إدارة الصراع، كأن يتم التركيز على الدبلوماسية بدلاً من المواجهة المباشرة، أو العودة إلى الاتفاقات المؤقتة. لكنه من غير المرجح أن يغير جوهر الاستراتيجية الأمريكية تجاه إيران بشكل جذري.
علاوة على ذلك، لم يعد الصراع مع طهران مجرد شأن إقليمي بحت، بل بات مرتبطاً بشكل وثيق بتوازنات النظام الدولي الأوسع، خاصة في ظل تنامي علاقات إيران مع قوى دولية كبرى مثل روسيا والصين. وهذا يضع المواجهة في سياق تنافس أوسع بين القوى العظمى على النفوذ العالمي.
هل يغيّر غياب نتنياهو المسار الإسرائيلي؟
يطرح السؤال ذاته نفسه بقوة داخل إسرائيل: هل يمكن أن يؤدي غياب بنيامين نتنياهو إلى تحول جذري في السياسات الإسرائيلية تجاه إيران والمنطقة ككل؟
تشير المعطيات الراهنة إلى أن تأثير ذلك سيكون محدوداً. فنتنياهو، على الرغم من حضوره الطاغي وهيمنته على الحياة السياسية الإسرائيلية على مدى العقدين الماضيين، إلا أنه يعكس إلى حد كبير تحولات أعمق داخل المجتمع الإسرائيلي، الذي شهد صعوداً متزايداً للتيارات القومية والدينية اليمينية المتشددة.
في هذا السياق، برزت شخصيات سياسية أكثر تشدداً مثل سموتريتش وبن غفير، اللذين يمثلان تياراً سياسياً راسخاً يرى أن الردع العسكري الصارم هو السبيل الأنجع لضمان الأمن القومي الإسرائيلي. هذا التوجه يجد صدى واسعاً في أوساط الناخبين الإسرائيليين، مما يجعله جزءاً لا يتجزأ من النسيج السياسي للبلاد.
وبناءً عليه، فإن غياب نتنياهو قد يؤدي إلى تغيير في أسلوب القيادة أو في شكل التحالفات الحكومية، لكنه من غير المرجح أن يُحدث تحولاً جذرياً في النهج الاستراتيجي الذي يحكم السياسة الإسرائيلية تجاه خصومها في المنطقة، والذي يستند إلى رؤية أمنية عميقة الجذور.
سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع
في ضوء هذه المعطيات المعقدة، يمكن استشراف ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل المواجهة في الشرق الأوسط:
أولاً: سيناريو التصعيد الإقليمي الواسع
في هذا السيناريو، قد تتسع رقعة المواجهة لتشمل أطرافاً إقليمية أخرى، مما قد يحول الصراع إلى حرب متعددة الجبهات. يحمل هذا الاحتمال في طياته مخاطر جسيمة على الاستقرار الإقليمي والعالمي، لا سيما في ظل الحساسية البالغة لأسواق الطاقة والممرات البحرية الحيوية في المنطقة.
ثانياً: سيناريو الردع المتبادل
قد يستقر الصراع عند مستوى معين من الضربات المحدودة والعمليات غير المباشرة، حيث تسعى كل الأطراف إلى إظهار قدرتها على الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة. هذا النمط من الصراعات قد يستمر لسنوات طويلة، كما أظهرت العديد من النماذج التاريخية للصراعات الدولية.
ثالثاً: سيناريو إعادة تشكيل النظام الإقليمي
مع تزايد حدة التوترات وتداخل المصالح الدولية، قد تدفع الأزمات المتلاحقة القوى الكبرى والإقليمية نحو البحث عن ترتيبات أمنية جديدة في الشرق الأوسط. وفي عالم يتجه تدريجياً نحو تعددية الأقطاب، قد تصبح المنطقة جزءاً لا يتجزأ من عملية أوسع لإعادة توزيع النفوذ على المستوى الدولي، مما يستدعي إعادة تقييم شاملة للتحالفات والمصالح.
أسئلة استراتيجية مفتوحة
في ظل هذه السيناريوهات المحتملة، تبرز مجموعة من الأسئلة الاستراتيجية التي ستحدد ملامح المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط:
•هل تمتلك إسرائيل القدرة على خوض حرب طويلة الأمد ومتعددة الجبهات دون أن تتعرض لاستنزاف داخلي كبير؟
•هل تملك الولايات المتحدة الإرادة السياسية الكافية للانخراط في مواجهة واسعة النطاق في الشرق الأوسط، خاصة في ظل أولوياتها العالمية المتعددة؟
•وهل يمكن لإيران أن تتحول إلى قوة ردع إقليمية مكتملة الأركان، تفرض معادلة توازن جديدة ومستقرة في المنطقة؟
تُشير التجارب التاريخية إلى أن الحروب لا تنتهي عادة برحيل القادة الذين ارتبطت أسماؤهم بها، بل عندما تتغير موازين القوى بشكل جوهري، أو عندما تُبنى ترتيبات سياسية جديدة تُعيد صياغة المصالح المتعارضة بين الأطراف. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الحقيقي الذي يواجه الشرق الأوسط اليوم ليس ما إذا كان الصراع سيتوقف برحيل شخصيات سياسية بعينها، بل ما إذا كانت المنطقة قادرة على إنتاج معادلة استقرار جديدة تُوازن بين متطلبات الردع والأمن والتنمية الشاملة. وحتى يتحقق ذلك، سيظل الشرق الأوسط يعيش مرحلة طويلة من إدارة الصراع، بدلاً من الوصول إلى تسوية نهائية وشاملة له.
*خبير إستراتيجي وتطوير مؤسسي/ أمين عام سابق
























