م.صلاح طه عبيدات يكتب : بين الوجدان السياسي والعقل الاستراتيجي العربي
نبأ الأردن -
في كل مرة تتطاير فيها الصواريخ في سماء الشرق، لا يسمع المواطن العربي صوت الانفجارات فقط، بل يسمع معها صدى أسئلة قديمة لم تجد جواباً بعد. فالصاروخ في هذه المنطقة ليس مجرد قطعة من المعدن تشق الهواء، بل فكرة سياسية، ورسالة جيوسياسية، ولحظة اختبار لعلاقات معقدة نسجها التاريخ بين القوة والهوية والمصالح.
حين تعلن إيران أن ضرباتها تأتي رداً على وجود قواعد أمريكية في المنطقة، فإنها تقدم تفسيراً يبدو منطقياً ضمن معادلة الصراع مع الولايات المتحدة. غير أن الجغرافيا العربية تتحول في هذه اللحظة إلى مسرح تتقاطع فيه الرسائل. فالصاروخ الذي ينطلق احتجاجاً على نفوذ واشنطن، يسقط عملياً في فضاء عربي، ويترك وراءه سؤالاً عربياً: هل نحن ساحة للصراع أم طرف فيه؟
الدول الخليجية تدرك هشاشة التوازن في هذه اللحظة التاريخية. فهي من جهة تعيش في منظومة أمنية دولية معقدة، تشكل القواعد العسكرية الأمريكية جزءاً منها، ومن جهة أخرى تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران قد تتحول إلى حرب طويلة مفتوحة، لا تنتهي بانتهاء المعركة العسكرية، بل تبدأ بعدها مرحلة الاستنزاف الاقتصادي والأمني والسياسي. لذلك يبدو الموقف العربي أقرب إلى عقل بارد يحاول أن يطفئ نيراناً قد تشعلها العواطف أو الحسابات المتسرعة.
في هذا السياق يصبح ضبط النفس الخليجي شكلاً من أشكال الحكمة الاستراتيجية، لا ضعفاً سياسياً. فالتاريخ الحديث للمنطقة مليء بحروب بدأت بشعارات كبيرة وانتهت بخرائط ممزقة واقتصادات منهكة ومجتمعات تعيش عقوداً من القلق. والدخول في حرب إقليمية واسعة مع إيران لن يكون حدثاً عابراً، بل زلزالاً سياسياً قد يعيد تشكيل المنطقة لعقود قادمة.
لكن المشهد أكثر تعقيداً من مجرد حسابات عسكرية. فالمواطن العربي يعيش انقساماً داخلياً دقيقاً بين مستويين من الشعور. على المستوى الأول، هناك فرح رمزي بأي صاروخ يتجه نحو إسرائيل، باعتبارها تمثل في الوعي الجمعي جرحاً تاريخياً لم يلتئم منذ عقود. أما على المستوى الثاني، فهناك قلق عميق من أن تتحول هذه المواجهة إلى مشروع نفوذ إقليمي جديد يعاد فيه رسم ميزان القوى على حساب الأمن العربي.
وهنا تتداخل الذاكرة مع الحاضر. فالعلاقات العربية الإيرانية ليست صفحة بيضاء يمكن قراءتها بمعزل عن تاريخ طويل من التوترات والشكوك والصراعات غير المباشرة. لذلك فإن الحماسة لأي ضربة موجهة ضد إسرائيل لا تلغي الحذر من النوايا الاستراتيجية بعيدة المدى. فالتاريخ السياسي يعلمنا أن الدول لا تتحرك بالعواطف، بل بالمصالح، وأن الصواريخ قد تحمل رسائل أبعد من الهدف الذي تعلنه.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث في هذه اللحظة هو تحويل المنطقة إلى ساحة حرب متعددة الطبقات، تتصارع فيها القوى الكبرى والقوى الإقليمية بينما تتحمل المجتمعات العربية كلفة النار والرماد. فحين تتشابك الحروب، تصبح الموارد العربية وقوداً لصراعات الآخرين، ويتحول الاستقرار إلى حلم مؤجل.
لذلك يبدو الموقف العربي الذي يرحب بأي إضعاف لإسرائيل، لكنه يرفض المساس بأمنه واستقراره، موقفاً يحاول أن يوازن بين الوجدان السياسي والعقل الاستراتيجي. هو موقف يعبر عن معادلة دقيقة: يمكن أن نتفهم دوافع المواجهة مع إسرائيل، لكننا لا نقبل أن يتحول ذلك إلى تهديد لمنظومة الأمن العربي.
في نهاية المطاف، تبقى المنطقة أمام مفترق فلسفي بقدر ما هو سياسي. فإما أن تتحول إلى رقعة شطرنج تتلاعب بها القوى المتصارعة، أو أن تدرك شعوبها ودولها أن الأمن الحقيقي لا يبنى بالصواريخ وحدها، بل ببناء منظومة إقليمية تضع مصالح الشعوب فوق حسابات الهيمنة والنفوذ.
وفي تلك اللحظة فقط، قد تتوقف الصواريخ عن كتابة تاريخ المنطقة، ويبدأ العقل السياسي العربي في كتابة فصل جديد أكثر هدوءاً وأشد وضوحاً.

























