د. وليد العريض يكتب: الجنرال بالتغريدة: حين قاد ترامب حربًا من هاتفه

د. وليد العريض يكتب: الجنرال بالتغريدة: حين قاد ترامب حربًا من هاتفه
نبأ الأردن -
في زمنٍ مضى كانت الحروب تُدار من غرف عملياتٍ ثقيلة الصمت، تمتد فوق طاولاتها خرائط الأرض وتتحرك حولها عقول الجنرالات ببطءٍ يشبه ثقل التاريخ وكانت القرارات الكبرى تُتخذ بعد ليالٍ طويلة من التفكير والتقدير، لأن الحرب في معناها الحقيقي ليست حدثًا عابرًا بل زلزالًا يصيب الجغرافيا والبشر والاقتصاد معًا، أما في زمننا هذا فقد ظهر نوع جديد من القادة يظن أن الحرب يمكن أن تُدار من شاشة هاتف صغير وأن العالم يمكن أن ينصاع لرسالة قصيرة تُنشر في لحظة اندفاع وهكذا دخل ترامب إلى مسرح الشرق الأوسط بوصفه جنرالًا بالتغريدة، يعتقد أن ضغطة إصبع قد تغيّر خرائط المنطقة وأن التصفيق سيأتي سريعًا كما يأتي في البرامج التلفزيونية، غير أن المشكلة التي اكتشفها متأخرًا أن الشرق الأوسط ليس مسرحًا للعرض السريع، وأن الجغرافيا هنا لا تحب المزاح الثقيل، وأن التاريخ لا يقرأ التغريدات.

-السيناريو الذي حلم به ترامب

كان المشهد في خيال الرجل بسيطًا إلى حد السذاجة السياسية، ضربة عسكرية قوية تهز النظام الإيراني، ارتباك داخلي يضعفه، ضغط اقتصادي يجره إلى الطاولة، ثم لحظة استسلام تسمح للرئيس الأمريكي بأن يقف أمام الكاميرات معلنًا أنه صنع السلام من جديد وهي صورة كان يتخيلها كما يتخيل المخرج نهاية فيلمه قبل أن يبدأ التصوير، غير أن الواقع كتب قصة مختلفة، فبدل الاستسلام السريع الذي كان يتوقعه جاءت الردود على شكل صواريخ ورسائل قوة تقول إن المنطقة لا تتحرك وفق سيناريوهات الحملات الانتخابية وإن الحروب التي تبدأ بضجيج قد تتحول إلى معادلات طويلة لا تشبه أحلام السياسيين.

-الدبلوماسية المتسرعة

حتى داخل الإدارة الأمريكية نفسها كان هناك من يهمس بحذر بأن القرارات المتسرعة قد تتحول إلى مغامرات خطرة وقد ظهر هذا القلق حين وصف وزير الخارجية Mike Pompeo رئيسه بأنه سريع في اتخاذ القرار وهو وصف دبلوماسي مهذب لاندفاع سياسي واضح، فالقرار المتسرع في السياسة قد يكون خطأً عاديًا يمكن تداركه، أما القرار المتسرع في الحرب فقد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها، خصوصًا في منطقة مثل الشرق الأوسط حيث تتداخل الجغرافيا بالطاقة والاقتصاد والذاكرة التاريخية العميقة.

-إسرائيل والصداع المفاجئ

أما إسرائيل فقد دخلت المواجهة وهي تتوقع جولة قصيرة كما حدث في مرات سابقة، ضربة قوية يعقبها رد محدود ثم عودة سريعة إلى الحياة الطبيعية، غير أن الردود الإيرانية، أو حتى احتمال اتساعها، بدأت تفتح سؤالًا استراتيجيًا مزعجًا داخل الغرف المغلقة وهو سؤال القدرة على الاحتمال، فالحروب الحديثة لا تُقاس فقط بميزان القوة العسكرية بل بقدرة المجتمع على الصمود تحت الضغط وحين تصبح صفارات الإنذار جزءًا من الحياة اليومية فإن لغة التصريحات تبدأ بالتغير تدريجيًا وتظهر كلمات مثل التهدئة والوساطة ووقف إطلاق النار.

-السخرية الأخطر: قصف جزيرة خرج

لكن أخطر ما في هذا المشهد ليس مجرد صاروخ يطلق أو رد يأتي، بل الفكرة التي ظهرت في بعض دوائر التصعيد حول ضرب جزيرة خرج تلك الجزيرة الصغيرة في الخليج التي تبدو على الخريطة نقطة ضئيلة لكنها في الحقيقة شريان نفطي تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط الإيرانية وهي ليست مجرد منشأة اقتصادية بل عقدة حساسة في شبكة الطاقة العالمية، ولذلك فإن التفكير بقصفها يشبه إشعال عود ثقاب داخل مخزن وقود ضخم، لأن الأمر لا يتعلق بضربة عسكرية محدودة بل بسلسلة من التفاعلات الاقتصادية والسياسية التي قد تمتد آثارها إلى أسواق النفط في العالم كله وإلى حركة الملاحة في الخليج وإلى الاقتصاد الدولي الذي يعتمد على استقرار تدفق الطاقة وهو ما يجعل السخرية من هذا القرار سخرية قاتلة، لأن من يتخيل أن ضرب جزيرة نفطية بهذا الحجم مجرد حركة استعراضية يشبه من يظن أن كسر صمام الغاز في بيت صغير لن يؤدي إلى انفجار المنزل بأكمله.

إن ضرب جزيرة خرج لن يكون مجرد ضربة عسكرية بل قد يتحول إلى زلزال اقتصادي عالمي يرفع أسعار النفط ويهز أسواق الطاقة ويضع الممرات البحرية في الخليج تحت تهديد دائم، وهو ما يعني أن قرارًا متسرعًا قد يحول نزاعًا إقليميًا إلى أزمة عالمية واسعة، وهي المفارقة التي تجعل مشهد "الجنرال التغريدة" أقرب إلى ملهاة سوداء، لأن الرجل الذي اعتاد إدارة الصفقات العقارية قد يكتشف فجأة أن سوق الطاقة العالمي لا يُدار بالطريقة نفسها التي تُدار بها ناطحات السحاب.

-البحث عن زر الإيقاف

حين تصل الأمور إلى هذه المرحلة يبدأ السياسيون عادة في البحث عن كلمة سحرية اسمها وقف إطلاق النار وهي لحظة مألوفة في تاريخ الحروب حين يبدأ من أشعل النار في التفكير بكيفية إطفائها دون أن يبدو مهزومًا، وقد يحدث في مثل هذه الحالات أن يُعلن وقف إطلاق النار من طرف واحد ويُقدَّم للجمهور باعتباره إنجازًا سياسيًا كبيرًا وهي حيلة قديمة في المسرح السياسي تقوم على إسدال الستار قبل أن يكتشف المشاهدون أن المسرحية لم تنته كما كان مخططًا لها.

-وختاما
قد يعلن ترامب وقف إطلاق النار، وقد تستمر لعبة التصعيد، لكن الدرس الذي يقدمه الشرق الأوسط للعالم يظل واضحًا، فالحروب هنا لا تُدار بالرسائل القصيرة والخرائط لا تتغير بضغطة إصبع والصواريخ على عكس الكلمات لا يمكن حذفها بعد إطلاقها، ولذلك فإن الجنرال الذي يقود الحرب من هاتفه قد يكتشف متأخرًا أن العالم الحقيقي ليس تطبيقًا يمكن إغلاقه حين تصبح نتائجه مزعجة.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions