د.حسن براري يكتب : جمهوريات مراكز التفكير في الولايات المتحدة والحرب على إيران
نبأ الأردن -
كنت كبير الباحثين في المعهد الأمريكي للسلام في واشنطن 2006-2008، وهي تجربة أتاحت لي الاطلاع عن قرب على كيفية عمل مراكز التفكير الأمريكية وتأثيرها في النقاش العام وصنع السياسة الخارجية.
في واشنطن كثيرًا ما يقال إن السياسة تصنع في البيت الأبيض أو الكونغرس، لكنها أيضًا تصنع في ما يشبه جمهوريات مراكز التفكير التي تنتج الأفكار وتؤثر في اتجاه القرار وذلك من خلال الباب الدوار بين مراكز الفكر والحكومة.
إذا نظرنا إلى النقاش حول إيران منذ احتلال العراق في عام 2003، يمكن تمييز ثلاث اتجاهات رئيسية. الأول، تيار محافظ يدعو إلى استخدام القوة أو التهديد بها لكبح إيران، الثاني، تيار مؤسسي واقعي يفضل الاحتواء والردع والدبلوماسية، أما الثالث، فينتمي إلى مدرسة الانكفاء ويعارض الحروب الجديدة في الشرق الأوسط.
لكن ما يحدث داخل مراكز الفكر في واشنطن ليس مجرد خلاف حول إيران، فهناك سؤال أعمق يتكرر في معظم الأدبيات الاستراتيجية: هل يجب أن تبقى الولايات المتحدة القوة المهيمنة في الشرق الأوسط، أم تقلل انخراطها العسكري في المنطقة وتحول تركيزها إلى مناطق أخرى مثل آسيا؟ وكانت الاستدارة الى الهادي هي السياسة الرسمية لإدارة أوباما. هذا السؤال يكشف الانقسامات بين النخبة الاستراتيجية الأمريكية منذ سنوات، ويظهر بوضوح في النقاشات حول إيران والحروب الإقليمية.
أما المراكز الأقرب إلى تفكير الرئيس ترامب فتوجد أساسًا في التيار المحافظ، وأبرزها
Heritage Foundation
Hudson Institute
American Enterprise Institute
هذه المراكز تميل إلى خطاب الردع القوي والضغط الأقصى، وتدعم استخدام القوة عندما ترى أن ذلك يخدم إعادة رسم ميزان القوى في الشرق الأوسط ويعزز موقع الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن إذا نظرنا إلى مواقف أهم مراكز الفكر في واشنطن، فيمكن تلخيصها بإيجاز كالتالي:
United States Institute of Peace
يميل تقليديًا إلى منع الحروب وإدارة النزاعات عبر الدبلوماسية والوساطة. أدبياته حول إيران غالبًا ما ركزت على خفض التصعيد، وتشجيع المسارات التفاوضية، وتحليل مخاطر الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة. لذلك يُنظر إليه داخل واشنطن باعتباره أقرب إلى مدرسة إدارة الصراع وبناء السلام منه إلى تيار الدعوة إلى الحرب أو التصعيد العسكري.
American Enterprise
يميل إلى دعم استخدام القوة والردع العسكري ضد إيران.
Heritage Foundation
قريب من التفكير المحافظ الداعي إلى الضغط الأقصى على إيران
Hudson
يدعو إلى سياسة ردع صارمة وتعزيز التحالف مع إسرائيل.
Washington Institute for Near East Policy
يدعم الضغط العسكري والسياسي لمنع إيران من امتلاك قدرات نووية.
Brookings Institution
يميل إلى الاحتواء والدبلوماسية مع الحفاظ على الردع.
Carnegie Endowment for International Peace
يحذر من الحرب ويدعو إلى الاتفاقات الدبلوماسية.
Council on Foreign Relations
يركز على إدارة الصراع وتجنب حرب إقليمية واسعة.
Center for a New American Security
يدعم الردع والتحالفات العسكرية مع الحلفاء.
Cato Institute
يعارض التدخلات العسكرية ويدعو إلى تقليل الانخراط في الشرق الأوسط.
Quincy Institute for Responsible Statecraft
يمثل تيار الانكفاء ويدعو إلى تقليل الحروب الأمريكية.
Center for Strategic and International Studies
يميل إلى مزيج من الردع العسكري والضغط الاقتصادي مع إبقاء الباب مفتوحًا للدبلوماسية بدل الدعوة إلى إسقاط النظام أو حرب شاملة.
طبعا هناك مراكز أخرى وهناك أيضا اتجاهات مختلفة داخل كل مركز، لكن
الخلاف بين هذه المراكز يدور أساسًا حول الوسائل: الحرب، الردع، أو الدبلوماسية. لكن النقاش الأعمق يبقى مرتبطًا بالسؤال الاستراتيجي الكبير فيما إذا كان على الولايات المتحدة أن تستمر كقوة مهيمنة في الشرق الأوسط أم تقلل من التزاماتها.
العدوان الأمريكي على إيران مرتبط بماذا في هذه الحالة؟ استراتيجية الأمن القومي التي أعلن عنها في شهر نوفمبر تظهر ميلًا واضحًا نحو تقليل التدخل العسكري الأمريكي والتراجع النسبي عن الانخراط المباشر في الشرق الأوسط. وإذا كان ذلك صحيحًا، فإن اندفاع واشنطن إلى الحرب مع إيران يصعب تفسيره بمنطق الهيمنة الأمريكية وحده، فهو يبدو أقرب إلى استجابة لضغط إسرائيلي أكثر منه بتحول في العقيدة الاستراتيجية الأمريكية.























