د. وليد العريض يكتب: معلّقٌ محايد على مباراة الشرق الأوسط الطويلة
نبأ الأردن -
لو جلس مراقب محايد على منصة التعليق البعيدة ونظر إلى ما يجري في الشرق الأوسط كما لو أنه مباراة كرة قدم طويلة، فسيرى ملعباً واسعاً اسمه المنطقة، ومدرجات مكتظة بدول تتابع بقلق، وبعضها يصفّق وبعضها يهمس وبعضها يخشى أن تصل الكرة إلى مدرجاته في أي لحظة.
في بداية المباراة دخل الفريق الأمريكي الإسرائيلي أرض الملعب بثقة المدرب الذي يعتقد أن الخطة محكمة، وأن الهدف الأول لن يتأخر، وأن الضربة ستكون خاطفة تنهي اللقاء قبل أن يتعب اللاعبون أو يضطر الحكم إلى احتساب وقت إضافي طويل.
لكن مع مرور الدقائق بدأ المعلق من منصته البعيدة يرى شيئاً مختلفاً، فالكرة التي قيل إن الخصم فقدها ما تزال تعود إلى الملعب، والصواريخ التي أعلن أنها خرجت من اللعبة تظهر في السماء مرة بعد مرة، وكأن المباراة لا تسير وفق الرسم الذي وضعه المدربون في غرف التخطيط.
ومن زاوية الرؤية البعيدة يبدو أن الفريقين الكبيرين دخلا المباراة بحماس زائد، ثم اكتشفا أن الخروج منها دون خسارة واضحة ليس أمراً سهلاً، وأن كل تمريرة جديدة قد تفتح ثغرة لا يريدها أحد.
وفي المدرجات القريبة من الخليج بدأ المشجعون يشعرون أن المباراة ليست بعيدة عنهم كما قيل في البداية، فالكرات الطائشة تصل إلى مدرجاتهم، وصادرات النفط التي تشبه شرايين الطاقة في هذا الملعب بدأت تتراجع، والمدن التي لم تدخل المباراة تجد نفسها فجأة تحت القصف لأنها تستضيف قواعد أمريكية قيل يوماً إنها جاءت للحماية.
أما خطة الهجوم البري التي تشبه في لغة كرة القدم إرسال جميع اللاعبين إلى منطقة الخصم فقد بدأت تتراجع بهدوء، لأن الجنرالات الذين يشبهون محللي الاستوديو حذروا المدرب الأمريكي من أن الاندفاع الكامل قد يفتح المرمى على مصراعيه، وأن أرض الملعب الإيرانية واسعة وقاسية وقد تتحول إلى مباراة استنزاف طويلة.
وحتى اللاعبين الذين كان يعول عليهم في بعض الخطط مثل الأكراد تراجعوا خطوة إلى الخلف مفضلين البقاء قرب خط الوسط، بينما الفريق الإسرائيلي بعيد عن أرض المباراة ولا يبدو متحمساً لإرسال لاعبيه إلى ملعب قد يتحول إلى فخ طويل.
وفي منصة كبار الضيوف يجلس لاعب قديم يعرف كيف تُدار المباريات الطويلة اسمه فلاديمير بوتين، يراقب الحركة في الملعب بهدوء، وكأنه ينتظر لحظة مناسبة للتدخل، فالتسريبات تقول إنه مستعد للمساعدة على إنهاء المباراة لكن بثمن سياسي في ملعب آخر اسمه أوكرانيا.
وفي المدرجات الأوروبية حيث البرد قارس والشتاء طويل يدرك المشجعون أن النفط والغاز قد يصبحان قريباً أهم من نتيجة المباراة، لأن الطاقة في عالم السياسة تشبه الأكسجين في الملاعب ومن دونها يتوقف اللعب كله.
أما الفريق الإيراني فيبدو من منصة التعليق أكثر صلابة مما توقع كثيرون، فقيادته تميل إلى جناح الصقور وذاكرة الخسائر العائلية والسياسية تجعل التراجع أمراً صعباً، والحرس الثوري يواصل إرسال الكرات الطويلة نحو المرمى الأمريكي الإسرائيلي كل ليلة.
ومن موقع المعلق المحايد يبدو السؤال واضحاً، إلى أين ستذهب هذه المباراة التي بدأت بثقة كبيرة ثم تحولت إلى لعبة معقدة لا يعرف أحد كيف يخرج منها دون أن يخسر سمعته أمام الجماهير.
قد يكون أمام المدرب الأمريكي أسبوع أو عشرة أيام قبل أن يقرر أن الوقت حان لإنهاء المباراة بإعلان يقول إن الفريق حقق أهدافه وأن المهمة انتهت، وهي العبارة التي يستخدمها المدربون عندما يريدون مغادرة الملعب دون الاعتراف بأن الخطة لم تكن كما توقعوا.
لكن الحكم الحقيقي في هذه المباراة ليس لاعباً ولا مدرباً بل الزمن نفسه، وهو ما يزال يسمح باستمرار اللعب بينما المباراة تقف الآن عند لحظة حساسة قد تتحول فيها إلى مواجهة أوسع تشبه مباريات الاستنزاف الطويلة، أو قد تنتهي فجأة بصافرة تقول إن اللقاء انتهى.
وعندها سيكتفي المعلق المحايد وهو ينظر إلى الملعب الذي ضج طويلاً بالهتاف بأن يقول بهدوء إن الشرق الأوسط خاض مباراة صاخبة أخرى، لكن النتيجة النهائية لم تتغير كثيراً.
وكأن المنطقة كلها تردد بعد المباراة المثل القديم.
تيتي تيتي مثل ما رحتي مثل ما جيتي.

























