م.صلاح طه عبيدات يكتب : حكمة المطبخ في الفكر الاستثماري
نبأ الأردن -
في الأزقة الضيقة والحارات التي
تتنفس رائحة القهوة والزعتر، تجتمع النساء حول طاولة صغيرة لا تحمل في ظاهرها أكثر من دفترٍ وقلم… لكنها في الحقيقة تحمل اقتصادًا سريًا لا تفهمه البنوك.
كل شهرٍ تضع كل واحدة منهن ورقة نقدية في قلب الطاولة، كأنها تقدّم قربانًا صغيرًا لإلهٍ خفي اسمه الدور. ثم تنتظر…
ليس انتظار المال، بل انتظار اللحظة التي يصبح فيها المال لها وحدها، كأن الزمن نفسه قد قرر أن يقف قليلاً عند باب بيتها.
العجيب أن الرجال يكتبون آلاف الصفحات عن الاقتصاد والاستثمار وإدارة المخاطر، ويعقدون المؤتمرات تحت أضواء الفنادق، ثم يعودون إلى بيوتهم ليكتشفوا أن زوجاتهم قد اخترعن منذ زمن بعيد نظامًا ماليًا أكثر ثباتًا من البورصات وأقل كلفة من المصارف.
يسمونه في التقارير: نظام الادخار الدوري.
وتسميه النساء ببساطة:
"الجمعية."
في تلك الجمعية الصغيرة، لا توجد فوائد بنكية، لكن هناك فوائد اجتماعية مركبة:
ضحكات، أسرار، وصفات طعام، وأحيانًا مؤامرات لطيفة ضد الأسعار والرجال والقدر.
الرجل حين يفكر في المال يفكر في الأرباح.
أما المرأة فتفكر في الحاجة.
وهذا فرق فلسفي عظيم لم يكتشفه الاقتصاديون بعد.
إنها معجزة صغيرة:
مالٌ قليل يتحول إلى أملٍ كبير،
وصندوق بلا قفل يحرسه شيء نادر في الأسواق…
اسمه الثقة.
ولو كتب أحدهم تاريخ الاقتصاد الحقيقي للبيوت، لاكتشف أن كثيرًا من الثلاجات امتلأت، وكثيرًا من الأقساط سُددت، وكثيرًا من الأزمات مرت بسلام…
بفضل اجتماعٍ بسيط لنساءٍ يجلسن حول طاولة،
يتبادلن النقود كما لو أنهن يتبادلن قطعًا من الزمن.
وعندها فقط سيفهم العالم سرًّا طريفًا:
أن بعض أعظم النظم المالية في التاريخ
لم تُولد في البنوك…
بل في مطبخٍ صغير
تجلس فيه خمس نساء
ومعهن صحن كعك
ودفتر مكتوب على غلافه بخط متواضع:
"جمعية شهرية… بإذن الله."

























