د. وليد العريض يكتب: حين يترنّح الكرسي: رسالة إلى نتنياهو وترامب
نبأ الأردن -
في السياسة لحظاتٌ يظن فيها بعض الحكّام أن الكرسي قد صار جزءًا من أجسادهم وأن السلطة التي جلسوا عليها ستبقى كما تبقى الجبال وأن الزمن نفسه قد صار موظفًا في خدمتهم. لكن التاريخ الذي يقرأه المؤرخون ببرودة الأعصاب، يعرف أن الكراسي أكثر الأشياء خيانة لأصحابها وأن السلطة ليست إلا ضيفًا عابرًا يقيم قليلًا ثم يغادر، تاركًا وراءه من كان يظن أنه مالك البيت.
ولعلّ بنيامين نتنياهو و دونالد ترامب من أكثر الساسة الذين عاشوا هذه اللحظة من الوهم السياسي، فالأول ظنّ أن سنواته الطويلة في الحكم قد حوّلته إلى قدرٍ دائم لدولةٍ قامت أصلًا على فكرة القوة وأن الحروب والدمار والقبضة الحديدية يمكن أن تصنع له مجدًا شخصيًا في كتب التاريخ.
بينما ظنّ الثاني أن صخب السياسة الأمريكية يمكن أن يُدار بعقلية رجل الصفقات وأن العالم يمكن أن يتحوّل إلى دفتر حسابات يربح فيه الأقوياء ويخسر فيه الضعفاء.
وفي الطريق بين واشنطن وتل أبيب نشأت لغة سياسية لا ترى في فلسطين إلا ملفًا يمكن طيّه بقرار إداري ولا ترى في ملايين البشر إلا رقمًا يمكن تجاوزه في معادلات القوة. وهكذا خرجت القرارات الصادمة كأنها إعلان صريح بأن العدالة لم تعد شرطًا في السياسة وأن الكرسي وحده هو معيار الحقيقة.
لكن الكراسي يا سادة ليست جبالًا، بل كائنات خائفة تعيش على ظهر الزمن، فإذا اهتزّ الزمن اهتزّت معه وإذا تغيّر المزاج السياسي العالمي سقطت كما تسقط أوراق الخريف. وقد رأى العالم هذا المشهد مرارًا عبر التاريخ؛ فقد وقف أدولف هتلر يومًا يخطب أمام الملايين متخيّلًا أن إمبراطوريته ستعيش ألف عام، ثم انتهى في مخبأٍ تحت الأرض. ووقف بنيتو موسوليني يومًا يصرخ باسم المجد الإيطالي قبل أن يُسحب في الشوارع بعد سقوط حكمه. وظنّ حكام نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا أن نظامهم سيبقى قرنًا آخر، فإذا به ينهار أمام إصرار شعبٍ رفض أن ينسى.
والسياسة الحديثة لا تختلف كثيرًا عن هذه القصص؛ فالقادة الذين يظنون أن القوة وحدها تكفي للبقاء يكتشفون متأخرين أن الزمن لاعبٌ أكبر من الجميع وأن الشعوب التي تتألم لا تموت وأن القضية التي تُدفن تحت الركام قد تعود يومًا أقوى من كل الجيوش.
ومن هنا تبدو الصورة أكثر وضوحًا اليوم؛ فالعالم الذي صفق يومًا لخطابات القوة بدأ يطرح أسئلة مختلفة والعروش التي بدت صلبة بدأت تُظهر شقوقها الصغيرة والكرسي الذي بدا ثابتًا تحت أصحابه صار يتمايل قليلًا تحت ثقل القرارات التي اتخذت باسم القوة وباسم السياسة الواقعية.
يا نتنياهو ويا ترامب، قد تظنان أن السياسة مجرد لعبة نفوذ وأن الشعوب تنسى بسرعة وأن الزمن يمكن أن يُخدع طويلًا؛ لكن التاريخ له ذاكرة أطول من أعمار الحكام وله طريقته الخاصة في السخرية من الذين توهموا أنهم أكبر منه.
وسوف يأتي يوم ربما لا يطول كثيرًا، يجد فيه بعض الساسة أنفسهم خارج الكرسي الذي ظنوه بيتهم الأبدي. وعندها لن يبقى من صخب الخطابات ولا من صرامة القرارات سوى سطر بارد في كتب المؤرخين يقول: إن زمنًا مضى كان فيه رجالٌ يعتقدون أن القوة تستطيع أن تهزم العدالة وأن الكرسي يمكن أن يعيش أطول من الحقيقة.
لكن الحقيقة يا سادة لا تموت… والكرسي لا يعيش طويلًا.
حمى الله أمتنا ووطننا وكل الشرفاء في العالم من كل مكروه.

























