د. بشير الدعجه يكتب: من سماء الأردن إلى مصفاة الزرقاء… الصاروخ الذي كشف النوايا الإيرانية...ويصبح الصمت تواطؤاً

د. بشير الدعجه يكتب: من سماء الأردن إلى مصفاة الزرقاء… الصاروخ الذي كشف النوايا الإيرانية...ويصبح الصمت تواطؤاً
نبأ الأردن -
لم يعد بالإمكان تزيين الحقائق أو تغليفها بعبارات دبلوماسية ناعمة… فالصاروخ الذي أسقطته الدفاعات الجوية الأردنية وسقط في محيط مصفاة البترول في الزرقاء ليس حادثًا تقنيًا عابرًا… ولا مجرد صاروخ "ضلّ طريقه” في سماء المنطقة… الحقيقة الصارخة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن هذا الصاروخ إيراني… وأن سقوطه قرب أخطر منشأة طاقة في الأردن يفضح طبيعة المشروع الذي تقوده طهران في المنطقة… مشروع لا يرى في الدول العربية إلا ساحات مفتوحة للضغط والابتزاز وزعزعة الاستقرار… ومحاولات مستمرة لفرض نفوذها عبر القوة والصواريخ والأذرع المسلحة.

مصفاة البترول في الزرقاء ليست مبنى صناعيًا عاديًا… بل هي الشريان الحيوي الذي يغذي المملكة بالوقود والغاز والمشتقات النفطية… أي استهداف لهذه المنشأة يعني عمليًا ضرب قلب الاقتصاد الوطني وتعطيل الحياة اليومية لملايين الأردنيين… فمن هذه المصفاة تتحرك عجلة النقل والصناعة والطاقة في المملكة… وأي اعتداء عليها كان سيقود إلى أزمة طاقة خانقة وشلل اقتصادي واسع وتأثيرات مباشرة على الأمن المجتمعي… ولذلك فإن سقوط صاروخ في محيطها ليس تفصيلاً عسكريًا صغيرًا… بل مؤشر خطير على طبيعة الأهداف التي يمكن أن تكون في مرمى الاستهداف الإيراني.

ما حدث ينسجم تمامًا مع السلوك الإيراني في المنطقة خلال السنوات الماضية… حيث تحولت منشآت الطاقة والمطارات والبنى التحتية الحيوية إلى أهداف في الاستراتيجية الإيرانية لإرباك الدول والضغط عليها… فقد شهدت المنطقة استهدافات متكررة لمنشآت نفطية ومرافق حيوية في أكثر من دولة عربية… في محاولة لإرسال رسائل سياسية عبر ضرب الاقتصاد وإرباك الاستقرار الداخلي… وهذا ما يجعل حادثة الصاروخ قرب مصفاة الزرقاء مؤشراً بالغ الخطورة على طبيعة التفكير الاستراتيجي الذي يحكم سلوك طهران.

لكن التهديد الإيراني للأردن لا يقتصر على الصواريخ والطائرات المسيّرة فقط… بل يمتد إلى محاولات زعزعة الاستقرار الداخلي عبر أدوات أخرى أكثر خطورة… من بينها دعم وتغذية خلايا متطرفة وأذرع سرية تؤمن بالأيديولوجيا الإيرانية التوسعية… وهي أيديولوجيا تقوم على فكرة تصدير النفوذ وزرع شبكات موالية خارج حدود الدولة الإيرانية… هذه الشبكات لا تتحرك غالبًا بشكل مباشر أو علني… بل تعمل في الظل عبر الاختراق الفكري أو التنظيمي أو اللوجستي… مستهدفة أمن الدول واستقرارها الداخلي على المدى الطويل.

لقد أثبتت التجارب في أكثر من دولة عربية أن المشروع الإيراني يعتمد بشكل كبير على بناء خلايا وأذرع تعمل داخل المجتمعات… سواء عبر جماعات مسلحة أو شبكات تهريب أو تنظيمات عقائدية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني… وهذه الأدوات ليست مجرد حركات سياسية أو تيارات فكرية… بل جزء من منظومة أمنية وعسكرية تستخدمها طهران لفرض نفوذها الإقليمي وزعزعة استقرار الدول التي ترفض الانخراط في مشروعها.

وفي الحالة الأردنية تحديدًا… لا يمكن فصل حادثة الصاروخ قرب مصفاة الزرقاء عن السياق الأوسع للتهديدات التي واجهتها المملكة خلال السنوات الماضية… سواء عبر محاولات استهداف الحدود الشمالية… أو عبر شبكات تهريب المخدرات والسلاح المرتبطة بميليشيات موالية لإيران في الإقليم… أو عبر محاولات اختراق المشهد الداخلي بخطابات تبرر السياسات الإيرانية وتعمل على تمييع المخاطر التي تمثلها.

الأخطر من الصاروخ نفسه هو الخطاب الذي يحاول التقليل من خطورته… فهناك من يسارع إلى ترديد روايات مضللة تزعم أن هذه الصواريخ "كانت في طريقها إلى مكان آخر”… وكأن مرورها فوق سماء الأردن أمر طبيعي… أو كأن سقوطها قرب منشأة حيوية بهذا الحجم مجرد صدفة جغرافية… هذا النوع من الخطاب لا يعكس قراءة سياسية ساذجة فقط… بل يكشف خللًا خطيرًا في فهم معنى السيادة الوطنية وأمن الدولة.

الحقيقة التي يجب أن تكون واضحة للجميع هي أن الصاروخ الذي يعبر سماء الأردن هو تهديد مباشر للأردن… وأن سقوطه قرب أهم منشأة طاقة في المملكة دليل كافٍ على حجم المخاطر التي يمكن أن تنجم عن هذه السياسات… الدول لا تقيس التهديدات بالنوايا المعلنة… بل بالوقائع الميدانية… والواقع يقول إن صاروخًا إيرانيًا سقط قرب أخطر منشأة اقتصادية في البلاد… وهذه حقيقة لا يمكن إنكارها أو تبريرها بأي خطاب سياسي أو أيديولوجي.

وفي المقابل أثبتت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي – مرة أخرى أنها الدرع الذي يحمي سماء الوطن… فالتعامل السريع مع التهديدات الجوية واعتراض الصواريخ قبل وصولها إلى أهدافها يعكس مستوى عالياً من الجاهزية والكفاءة العملياتية… وهو ما منع كارثة محتملة كان يمكن أن تضرب أحد أهم المرافق الاستراتيجية في المملكة.

لكن الرسالة التي يجب أن تصل بوضوح إلى طهران قبل غيرها هي أن الأردن ليس ساحة مفتوحة لمشاريع النفوذ الإيراني… وليس دولة يمكن اختبار صبرها عبر الصواريخ أو عبر الأذرع السرية أو عبر محاولات الاختراق الأيديولوجي… فالأردن دولة لها مؤسساتها الراسخة وجيشها القوي وأجهزتها الأمنية القادرة على حماية استقرارها الداخلي والخارجي.

أما الرسالة الأهم فهي للداخل… فالتعاطف مع دولة توجه صواريخها فوق سماء الأردن وتسقط قرب أهم منشآته الحيوية ليس موقفًا سياسيًا عاديًا… بل خلل في البوصلة الوطنية… فالوطن عندما يكون في دائرة التهديد لا توجد منطقة رمادية بين الدفاع عنه وبين التبرير لمن يستهدفه… ومن يبرر الخطر الذي يهدد أمن الأردن واستقراره فإنه يضع نفسه في موقع لا يمكن وصفه إلا بأنه انحياز ضد مصلحة الوطن.

الأردن دولة ذات سيادة…
وسماؤه ليست ممرًا لصواريخ إيران…
ومنشآته الحيوية ليست أهدافًا في مشروعها التوسعي…
ومن يراهن على غير ذلك… فإنه يقرأ الأردن قراءة خاطئة تمامًا... وللحديث بقية.

#د. بشير _الدعجه
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions