امل خضر تكتب : الأردن بين نارين كيف يقرأ الملك عبدالله الثاني حرب إيران القادمة؟

امل خضر تكتب : الأردن بين نارين كيف يقرأ الملك عبدالله الثاني حرب إيران القادمة؟
نبأ الأردن -
في الشرق الأوسط، لا تُقاس الحروب فقط بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش، بل بقدرتها على إعادة رسم خرائط النفوذ وتغيير موازين القوى. ومع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران واحتمالات توسّع المواجهة في المنطقة، يقف الأردن مرة أخرى أمام لحظة دقيقة من لحظات التاريخ السياسي للمنطقة. لحظة تتطلب قراءة عميقة للمشهد، وقيادة تمتلك القدرة على الموازنة بين حماية الأمن الوطني وفهم تعقيدات الجغرافيا السياسية. وهنا يبرز دور عبدالله الثاني بن الحسين الذي اعتاد عبر سنوات حكمه أن يتعامل مع أزمات المنطقة بعقلٍ استراتيجي يقرأ ما وراء الأحداث قبل وقوعها.
الأردن ليس دولة تقف على هامش صراعات الشرق الأوسط، بل يقع في قلب خريطة شديدة الحساسية؛ فهو يتوسط محيطًا ملتهبًا يضم سوريا والعراق وإسرائيل وفلسطين، وهي مناطق تتقاطع فيها ملفات النفوذ والصراع المرتبطة بشكل مباشر أو غير مباشر بـ إيران. ولهذا فإن أي مواجهة واسعة في الإقليم لن تكون مجرد حرب بعيدة عن الأردن، بل حدثًا قد تتردد أصداؤه سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا داخل المملكة.
ومن هنا تأتي حساسية القراءة الأردنية للمشهد؛ فالمملكة ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها تدرك أن الحروب الكبرى في الشرق الأوسط نادرًا ما تبقى محصورة بين طرفين. فهذه المنطقة عرفت عبر تاريخها أن أي مواجهة كبيرة قد تتحول بسرعة إلى صراع إقليمي متعدد الأطراف، تتشابك فيه المصالح الدولية والإقليمية، وتفتح فيه جبهات جديدة في أكثر من مكان.
لذلك تقوم القراءة الاستراتيجية الأردنية على مبدأ واضح منع الانفجار الإقليمي قبل وقوعه. فقد حذّر الملك عبدالله الثاني في أكثر من مناسبة من مخاطر توسع الصراعات في الشرق الأوسط، لأن الحروب المفتوحة في هذه المنطقة لا تترك دولة بعيدة عن آثارها. فحين يشتعل الإقليم، تتسارع الأزمات الأمنية والاقتصادية والسياسية بطريقة تجعل الاستقرار نفسه معركة يومية للحفاظ عليه.
وفي أي سيناريو لحرب واسعة، فإن أول ما يشغل صانع القرار الأردني هو الأمن الداخلي. فالحروب الكبرى لا تنتج فقط مواجهات عسكرية، بل تولّد تداعيات غير مباشرة قد تكون أكثر تعقيدًا، مثل اضطرابات الحدود، ونشاط الجماعات المسلحة في مناطق النزاع القريبة، إضافة إلى احتمالات موجات لجوء جديدة قد تضغط على البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة.
وقد تعلّم الأردن من تجارب المنطقة أن الاستقرار الداخلي ليس مجرد حالة سياسية، بل هو رأس المال الحقيقي للدولة. فالدول التي تفقد استقرارها الداخلي تصبح أكثر عرضة للانهيار تحت ضغط الأزمات الإقليمية.
اقتصاديًا، يدرك الأردن أن أي حرب واسعة في الشرق الأوسط قد تترك آثارًا مباشرة على اقتصاده. فاقتصاد المملكة يرتبط بشكل كبير بالاستقرار الإقليمي في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار. ومع اندلاع أي مواجهة كبرى، قد ترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، وقد تتعطل طرق التجارة الإقليمية، وقد يتردد المستثمرون في ضخ أموالهم في منطقة تتجه نحو مزيد من عدم الاستقرار.
ومن بين أكثر القطاعات حساسية لهذه التطورات يأتي قطاع السياحة، الذي يعد من ركائز الاقتصاد الأردني. فالسائح الأجنبي غالبًا ما ينظر إلى الشرق الأوسط كمنطقة واحدة، وليس كمجموعة دول منفصلة. ولهذا فإن أي تصعيد عسكري في المنطقة قد يؤثر مباشرة على حركة السياحة إلى مواقع عالمية في الأردن مثل البتراء ووادي رم والبحر الميت، رغم أن الأردن غالبًا ما يبقى أكثر استقرارًا من محيطه.
ومع ذلك، فقد أثبت الأردن عبر عقود طويلة قدرة استثنائية على إدارة التوازنات المعقدة في المنطقة. فالسياسة الأردنية تقوم تقليديًا على الواقعية السياسية، أي الحفاظ على علاقات متوازنة مع القوى الدولية والإقليمية، وتجنب الانجرار إلى صراعات مباشرة، مع التركيز على حماية المصالح الوطنية أولًا.
وهذه السياسة جعلت الأردن عبر سنوات طويلة أشبه بجزيرة استقرار نسبي في بحر من الأزمات المتلاحقة. فبينما تغيرت خرائط كثيرة في المنطقة، بقي الأردن قادرًا على الحفاظ على تماسكه الداخلي بفضل حكمة قيادته وصلابة شعبه.
الخطر الحقيقي الذي يدركه الأردن ليس مجرد اندلاع حرب بين إيران وخصومها، بل احتمال تحوّل هذه الحرب إلى صراع إقليمي واسع يمتد عبر عدة جبهات في الشرق الأوسط. فالحروب حين تتوسع في هذه المنطقة لا تبقى مواجهات عسكرية تقليدية، بل تتحول إلى أزمات مركبة تمس الأمن والاقتصاد والطاقة والهجرة والاستقرار الاجتماعي في آن واحد.
وفي خضم هذه التحديات، تبقى فلسفة السياسة الأردنية واضحة: ليس الهدف الانتصار في الحروب، بل منع الحروب من الوصول إلى الداخل الأردني. فالأردن يدرك أن قوته الحقيقية لا تكمن في حجم موارده أو مساحته الجغرافية، بل في قدرته على حماية استقراره وسط منطقة تعيش تحولات عاصفة.
وفي النهاية، وبين نار الصراعات الإقليمية وتعقيدات السياسة الدولية، يبقى الأردن مثالًا لدولة صغيرة جغرافيًا لكنها كبيرة في قدرتها على قراءة التحديات والتعامل معها بحكمة. فسر قوة هذا البلد لم يكن يومًا في السلاح أو الموارد فقط، بل في حكمة القيادة الهاشمية، ووحدة الشعب الأردني، وإيمانه بأن الاستقرار هو أعظم انتصار في زمن العواصف.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions