د. وليد العريض يكتب: حين يطلب صانعو النار قليلاً من الهدوء
نبأ الأردن -
في هذه المنطقة من العالم التي تعودت أن تسمع هدير الطائرات أكثر مما تسمع أصوات الشعراء، يحدث أحياناً أن تنقلب المشاهد فجأة، فيتحول الذين كانوا قبل أيام يتحدثون بلغة القوة المطلقة والضربة الساحقة والنار التي لا تُطفأ، إلى دعاة هدوء يرسلون الرسائل تلو الرسائل بحثاً عن استراحة قصيرة من حرب ظنوا أنهم يملكون مفاتيحها وحدهم، وأن الشرق الأوسط مجرد مسرح صغير تُدار فيه الحروب كما تُدار المناورات العسكرية على شاشات الكمبيوتر.
ولعل أكثر ما يثير السخرية في هذه اللحظات أن الدولة التي بنت أسطورة كاملة عن جيش لا يُهزم، وعن مجتمع يعيش فوق القانون الدولي، وعن قدرة عسكرية تجعلها سيدة السماء والبحر والبر، تجد نفسها فجأة مضطرة لأن تتحدث عن إدارة التصعيد وعن ضرورة التهدئة، وكأن المنطقة التي اعتادت أن تُعاملها كحقل تجارب قد قررت أخيراً أن تكتب سطورها الخاصة في كتاب القوة الإقليمية.
فمنذ عقود طويلة تعود العالم على مشهد يتكرر بلا كلل، حيث تُقصف مدرسة فيقال إن الهدف كان عسكرياً بالخطأ، ويُضرب مستشفى فيقال إن الصاروخ انحرف قليلاً عن مساره، وتُدمر أحياء كاملة فيقال إن الأمر جزء من الدفاع عن النفس، ثم يقف السياسيون أمام الكاميرات ليحدثونا ببرود عن القيم وعن النظام الدولي وعن القواعد التي يجب أن يلتزم بها الجميع، إلا تلك الدولة التي يبدو أنها ولدت في عالم لا تسري عليه القوانين التي تسري على بقية البشر.
لكن التاريخ، كما يعرفه المؤرخون، لا يحب الأساطير الطويلة، لأنه يميل دائماً إلى اختبارها على أرض الواقع، وحين يحدث ذلك تبدأ اللغة بالتغير ببطء، فيتحول خطاب الردع المطلق إلى حديث عن التوازن، ويتحول وعد الضربة القاصمة إلى نقاش طويل حول منع الانفجار الكبير، ويتحول الصوت المرتفع الذي كان يملأ الشاشات إلى رسائل دبلوماسية هادئة تبحث عن مخارج تحفظ ماء الوجه.
أما القوة العظمى التي اعتادت أن تقف خلف المسرح ممسكة بخيوط كثيرة في هذه المنطقة، فهي الأخرى تدخل المشهد بنفس النص القديم الذي نعرفه جميعاً، حيث تتحدث عن السلام حين تصبح الحرب مكلفة، وتتحدث عن الاستقرار حين يصبح التصعيد مغامرة غير محسوبة، وتكتشف فجأة أن الشرق الأوسط ليس لوحة شطرنج يمكن تحريك قطعها بسهولة كما كان يحدث في الأزمنة التي كانت فيها القرارات تُكتب في العواصم البعيدة وتُنفذ في المدن القريبة.
وما يجري اليوم ليس مجرد جولة عسكرية أخرى في منطقة اعتادت الصراعات، بل هو تذكير قديم بأن الجغرافيا في هذه الأرض لا تحب الهيمنة المطلقة، وأن الشعوب التي عاشت قروناً بين الإمبراطوريات والغزوات تعرف جيداً كيف تصبر طويلاً، وكيف تفاجئ خصومها حين يظنون أن ميزان القوة قد استقر إلى الأبد.
ولهذا فإن المفارقة الأكثر طرافة أن الذين كانوا يتحدثون قبل أيام فقط عن إعادة رسم الشرق الأوسط وعن فرض معادلات جديدة بالقوة، صاروا الآن أكثر الناس حديثاً عن ضرورة وقف إطلاق النار، وكأن المنطقة التي أرادوا أن تكون ساحة اختبار لقوتهم قد قررت فجأة أن تعيد تعريف القوة نفسها، وأن تقول للعالم بهدوء إن زمن الأساطير العسكرية التي لا تُمس قد بدأ يتآكل ببطء.
ففي الشرق الأوسط، حين تتغير موازين الردع، تتغير معها اللغة، وتصبح الكلمات التي كانت تبدو مستحيلة قبل أيام كلمات عادية في بيانات السياسة، ويكتشف الذين اعتادوا أن يكتبوا التاريخ بالقوة أن التاريخ أحياناً يكتب نفسه بطرق لا يتوقعها أحد.
























