مالك حداد يكتب : تعثّر القطاع السياحي

مالك حداد يكتب : تعثّر القطاع السياحي
نبأ الأردن -
يقف الاقتصاد الأردني اليوم أمام محنة حقيقية يعيشها قطاع السياحة .

هذا القطاع الذي طالما شكّل ركيزةً أساسيةً في بنيان الاقتصاد الوطني ومصدراً حيوياً للنقد الأجنبي وفرص العمل. 

منذ اندلاع موجة الاضطرابات الإقليمية المتتالية بدءاً من تداعيات جائحة كورونا وليس انتهاءً بالحرب على غزة وبدء الحرب ما بين ايران وأمريكا واسرائيل والقطاع السياحي الأردني يرزح تحت أعباء متراكمة وإن كان الأردن بطبيعته الجغرافية والسياسية عادة ما يكون في منأى عن مواطن النزاع المباشر.

إن الحديث عن تعثر السياحة ليس ترفاً فكرياً أو رصداً إحصائياً بل هو حديث عن أُسَر تعتاش من هذا القطاع عن مكاتب سياحية أنهت أو خفضت عمالتها وفنادق أغلقت أبوابها أو خفّضت طاقتها عن ادلاء سياحيين باتوا بلا عمل وعن شركات نقل وضيافة وحرف تقليدية تتأوّه تحت وطأة الشُّح وعدم اليقين.

تشير الأرقام الصادرة عن عدة جهات إلى إلغاء حجوزات ملحوظ في أعداد السياح الوافدين وتراجعاً حاداً في الحجوزات الفندقية  خلال شهري آذار ونيسان القادمين وهما اشهر الذروة في موسم السياحة وتراجعاً موازياً في حجم الإنفاق السياحي. 

وقد باتت فترات الانتعاش الوجيزة التي تعقب أي تهدئة إقليمية مؤشراً على الإمكانية الكامنة لكنها تظل أيضاً شاهداً على هشاشة القطاع وسرعة تأثره.
 
والسؤال المطروح ما هي واجبات الحكومة نحو  هذا القطاع المنكوب 
حيث لا يمكن للحكومة أن تتفرّج على قطاع يُسهم في تشغيل نحو خمسة وعشرين بالمئة من اليد العاملة بصورة مباشرة وغير مباشرة وهو يتخبط في أزمة وجودية دون أن تتحمل مسؤوليتها التاريخية والاقتصادية. 

ويقتضي ذلك في المرحلة الأولى تأجيل استحقاقات الضريبة والرسوم وإعفاء المنشآت الصغيرة والمتوسطة من رسوم الترخيص لفترة لا تقل عن سنة.

هنا لا بد من استغلال الوقت لتطوير البنية التحتية السياحية حيث لا ينبغي أن تُهدر فترات الأزمات في الانتظار والتباكي على الأوضاع بل يجب استثمارها في تطوير البنية التحتية مثل تحسين الطرق المؤدية إلى المواقع السياحية ورفع مستوى الخدمات في تلك المواقع وتأهيل الكوادر البشرية وتحديث منظومة التأشيرات الإلكترونية لتسهيل قدوم السياح. 

إن ما يبنيه بلدنا الحبيب  في وقت الهدوء النسبي سيكون رأسماله في وقت الانتعاش.
كذلك لا بد من التنسيق مع القطاع الخاص من خلال إنشاء مجلساً تنسيقياً دائماً يجمع الجهات الرسمية بممثلي القطاع الخاص السياحي لمتابعة المستجدات ورصد التحديات وصياغة استجابات سريعة وفعّالة. 

إن الشراكة الحقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص هي الوصفة الناجحة التي أثبتت جدواها في تجارب دولية عديدة.
 
اما بالنسبة  للبنوك والمؤسسات المالية  في دعم القطاع السياحي
فإذا كانت الحكومة تملك أدوات السياسة المالية والتشريعية فإن البنوك هي الشريان الذي يضخ الدماء في عروق المنشآت السياحية وفي زمن الأزمات تتضاعف مسؤوليتها بدلاً من أن تتراجع فلا بد مثلاً من إعادة الجدولة وتمديد القروض كما على البنوك العاملة في الأردن وبتوجيه من البنك المركزي إعادة النظر في محافظها الائتمانية المتعلقة بالقطاع السياحي وتقديم برامج شاملة لإعادة جدولة القروض القائمة بشروط ميسّرة وفترات سماح حقيقية بما يمنح أصحاب المنشآت فرصة حقيقية للتعافي دون أن يُثقل كاهلهم بتراكم الفوائد وفجوات التمويل.

كما ان هنالك حاجة ملحّة إلى برامج تمويلية مخصصة لتحديث المنشآت السياحية الصغيرة والمتوسطة تتميز بفوائد منخفضة وضمانات مرنة. 

ان كثير من أصحاب الفنادق الصغيرة والمطاعم ومحلات الحرف التقليدية يمتلكون الرغبة في التحديث والنية الصادقة للسداد لكنهم يفتقرون إلى القدرة على تلبية اشتراطات التمويل التقليدية في ظل ظروف استثنائية. 

إن تعثر السياحة الأردنية ليس قدراً محتوماً، بل هو تحدٍّ يمكن مواجهته بإرادة جماعية صادقة. 

لقد أثبت الأردن تاريخياً أنه يمتلك مقومات الصمود والتعافي وأن شعبه ومؤسساته قادرون على تحويل المحنة إلى منحة حين تتضافر الجهود وتتوحد الرؤى.

كما ان حكومتنا لديها القدرة  على تجاوز خطاب الطمأنة  وتحويلها إلى برامج عمل حقيقية مُموَّلة وموّقتة وكذلك البنوك  الأردنية قادرة على تجاوز منطق الربحية الضيقة إلى الشراكة الاستراتيجية مع اقتصاد الوطن وعلى أصحاب المنشآت السياحية أن يستثمروا كل دعم متاح في التحديث والتطوير لا في البقاء على قيد الحياة فحسب.

السياحة ليست مجرد صناعة بين صناعات إنها واجهة الأردن  ورسالته الحضارية إلى  العالم وجسره نحو مستقبل اقتصادي أكثر تنوعاً وأمناً. 

وصون هذه الواجهة مسؤولية لا تقبل التأجيل.

والله الموفق
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions