نور الدويري تكتب: إدارة الصراع الإقليمي في الشرق الأوسط: قراءة تحليلية في الحرب الحالية
نبأ الأردن -
في ظل التصعيد المستمر في الشرق الأوسط وتزايد احتمالات اتساع نطاق المواجهة، تبرز أهمية قراءة السياسات الإقليمية والدولية ضمن سياقها التاريخي والاستراتيجي. إذ تبدو بعض القراءات المتداولة غير دقيقة عندما تحاول تفسير مسار الصراع بمعزل عن طبيعة العقيدة السياسية وأنماط إدارة الأزمات لدى الأطراف المنخرطة فيه.
يشهد الشرق الأوسط حالياً صراعاً متعدد الجبهات والأطراف، يشمل المواجهة بين إسرائيل وقطاع غزة، والتوتر المباشر بين إسرائيل وإيران، إضافة إلى جبهات غير مباشرة في لبنان والعراق وسوريا. كما تبرز أزمة البحر الأحمر والخليج بوصفها مسارات حيوية للأمن الإقليمي، نظراً لارتباطها بحركة التجارة والطاقة العالمية.
هذا التشابك في مسارح العمليات يجعل من الصعب حصر نتائج الحرب ضمن نطاق جغرافي أو زمني محدد، وهو ما يفرض على الفاعلين الإقليميين والدوليين إدارة الصراع بمزيج من الحذر الاستراتيجي، والقدرة على التكيف، والتحرك الدبلوماسي المتوازن.
في السياق الإيراني، تبرز أهمية فهم طبيعة النظام السياسي القائم منذ الثورة الإيرانية، والذي يستند إلى مزيج من العقيدة الثورية والسردية القومية. وتشير بعض التحليلات إلى أن أي انتقال محتمل للسلطة مستقبلاً، بما في ذلك السيناريوهات التي تتحدث عن صعود شخصية قيادية خلال مرحلة ما بعد المرشد الحالي، قد يحمل دلالات تتعلق باستمرارية النهج السياسي للنظام أو اتجاهه نحو مزيد من التشدد في إدارة الصراع.
وعلى المستوى العسكري، يصعب استنزاف إيران عسكرياً بصورة سريعة، نظراً لتطور قدراتها الصاروخية خلال العقود الأخيرة، والتي باتت تشكل أحد أهم عناصر الردع في استراتيجيتها الدفاعية. وتبدو هذه القدرات أكثر تأثيراً في معادلة الردع الإقليمي مقارنة بالبرنامج النووي الذي يظل محاطاً بقيود سياسية ودبلوماسية معقدة.
كما أن التجربة التاريخية، وخاصة خلال الحرب الإيرانية العراقية في ثمانينيات القرن الماضي، تشير إلى قدرة النظام الإيراني على تحمل ضغوط عسكرية واقتصادية طويلة الأمد. لذلك فإن أي استراتيجية تهدف إلى استنزاف إيران عسكرياً قد تواجه حدوداً واضحة ما لم تترافق مع ضغوط سياسية واقتصادية داخلية.
من جهة أخرى، يبقى قطاع غزة أحد أهم بؤر الصراع الحالية، حيث يشكل نقطة تقاطع بين الأبعاد الإنسانية والسياسية والأمنية في المنطقة. وقد أعادت عملية قامت بها حركة حماس فتح الباب أمام تحولات أوسع في بنية الصراع، خصوصاً مع تصاعد العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية.
وفي هذا السياق، تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على توازن دقيق بين دعمها لإسرائيل ومنع تحول المواجهة إلى حرب إقليمية شاملة. ويعكس هذا التوجه إدراك واشنطن للكلفة الاستراتيجية لأي توسع كبير في نطاق الحرب، خاصة في ظل تداخل جبهات متعددة تشمل لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا.
كما أن إسرائيل تسعى، ضمن هذه البيئة المعقدة، إلى إعادة تشكيل معادلة الردع الإقليمي عبر استهداف بنى عسكرية مرتبطة بمحور إيران، بما في ذلك عمليات موجهة ضد حزب الله في لبنان، إضافة إلى ضربات متكررة في سوريا. ويبدو أن الهدف الاستراتيجي الأوسع يتمثل في تقليص قدرة هذا المحور على تهديد العمق الإسرائيلي وإعادة ضبط ميزان القوى في المنطقة.
في المقابل، تحاول إيران إدارة الصراع عبر مزيج من الأدوات العسكرية والسياسية والاقتصادية، مع الاعتماد على شبكة من الحلفاء الإقليميين. كما برزت تهديدات مرتبطة بالممرات البحرية الحيوية، بما في ذلك احتمالات التأثير على حركة الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يضيف بعداً اقتصادياً عالمياً للصراع.
انطلاقاً من هذه المعطيات، لا يمكن وصف ما يجري بأنه حرب محدودة. فالصراع الحالي متعدد الجبهات والأقطاب، ويمتد من غزة إلى لبنان والعراق وسوريا، إضافة إلى المواجهة غير المباشرة بين إسرائيل وإيران.
وعليه، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمسار المرحلة القادمة:
أولاً: استمرار الاستنزاف المتبادل
حيث تستمر العمليات العسكرية المحدودة والمتقطعة دون انزلاق إلى حرب إقليمية شاملة، في نمط يشبه عدداً من الصراعات السابقة في المنطقة.
ثانياً: تصعيد مفاجئ
قد يحدث نتيجة خطأ في الحسابات أو ضربة نوعية كبيرة، ما يؤدي إلى توسيع نطاق المواجهة بسرعة.
ثالثاً: إعادة ضبط الصراع سياسياً
من خلال تفاهمات غير مباشرة أو ترتيبات أمنية غير معلنة تؤدي إلى احتواء التصعيد وتحويل المواجهة إلى إدارة صراع منخفض الحدة.
في جميع هذه السيناريوهات، تبقى العوامل الداخلية في إيران، بما في ذلك ترتيبات انتقال السلطة داخل النظام، عاملاً مهماً في تحديد اتجاهات الصراع خلال السنوات المقبلة.
كما أن تداعيات الصراع لن تقتصر على الأطراف المنخرطة مباشرة فيه، بل ستمتد إلى دول إقليمية مثل الأردن ومصر وتركيا ودول الخليج، عبر تأثيرات تتعلق بأمن الحدود، واستقرار الأسواق، والضغوط السياسية المرتبطة بإدارة الأزمات الإقليمية.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المنطقة لا تتجه نحو نهاية سريعة للصراع، بل نحو مرحلة إعادة تشكيل موازين القوة الإقليمية. فالحروب في الشرق الأوسط نادراً ما تُحسم بضربة عسكرية واحدة، بل تتبلور نتائجها عادة عبر تراكم الضغوط السياسية والعسكرية والاقتصادية على مدى زمني أطول.
وبذلك يصبح السؤال الحقيقي ليس متى ستنتهي الحرب، بل كيف ستتعامل الدول الإقليمية مع تداعياتها، وكيف ستُعاد صياغة موازين القوة في المنطقة خلال المرحلة القادمة.
فهل تقود هذه التحولات، في خضم الفوضى الإقليمية الراهنة، إلى ظهور تفاهمات عربية جديدة – علنية أو غير معلنة – قادرة على إدارة الصراع بين المشاريع الاستراتيجية المتنافسة في الشرق الأوسط؟

























