د. وليد العريض يكتب: إسرائيل في الوعي الأمريكي الجديد: من الحليف المقدّس إلى العبء السياسي
نبأ الأردن -
لم تكن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل يومًا علاقة عادية في تاريخ السياسة الدولية. فمنذ قيام كيان إسرائيل عام 1948، تشكّل تحالفٌ سياسي وعسكري وثيق بين واشنطن وتل أبيب، بلغ حدًّا جعل إسرائيل توصف في الخطاب الأمريكي الرسمي بأنها "الحليف الأوثق" للولايات المتحدة في الشرق الأوسط.
غير أن هذه الصورة التي بدت ثابتة لعقود بدأت في السنوات الأخيرة تتعرّض لهزّات عميقة داخل المجتمع الأمريكي نفسه.
فداخل الجامعات ومراكز الدراسات ووسائل الإعلام، بل وحتى في أروقة الكونغرس أخذت تتصاعد تساؤلات جديدة حول طبيعة هذا التحالف وحدوده:
هل ما تزال إسرائيل حليفًا استراتيجيًا يخدم المصالح الأمريكية أم أن العلاقة تحولت تدريجيًا إلى عبء سياسي وأخلاقي يضع الولايات المتحدة في مواجهة مع جزء كبير من العالم؟
تحالف استثنائي في التاريخ السياسي
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تشكّل في السياسة الأمريكية تصورٌ خاص لإسرائيل بوصفها شريكًا استراتيجيًا في منطقة مضطربة.
وقد تُرجم هذا التصور إلى دعم مالي وعسكري غير مسبوق؛ إذ تُعد إسرائيل أكبر متلقٍّ للمساعدات العسكرية الأمريكية في التاريخ الحديث.
لكن هذا الدعم الضخم لم يخلُ من جدل. فداخل الولايات المتحدة ظهرت أصوات أكاديمية وسياسية ترى أن العلاقة بين البلدين تجاوزت حدود التحالف الطبيعي بين دولتين لتصبح علاقة ذات تأثير عميق في صنع القرار الأمريكي نفسه.
وقد أثار هذا الموضوع نقاشًا واسعًا في الأوساط الفكرية الأمريكية خصوصًا بعد صدور دراسة الباحثين الأمريكيين جون ميرشايمر وستيفن والت حول تأثير اللوبيات المؤيدة لإسرائيل في السياسة الخارجية الأمريكية.
حادثة لا تزال مثار جدل
من بين الأحداث التي كثيرًا ما تُستحضر في هذا النقاش حادثة الهجوم على السفينة الأمريكية
USS Liberty
خلال
حرب الأيام الستة.
ففي عام 1967 تعرضت هذه السفينة لهجوم أدى إلى مقتل 34 جنديًا أمريكيًا وإصابة العشرات. وقد أعلنت إسرائيل آنذاك أن الهجوم كان خطأً في تحديد الهوية، إلا أن الحادثة بقيت موضوعًا للنقاش والجدل في الولايات المتحدة خاصة بين بعض العسكريين والباحثين الذين رأوا أن التحقيقات الأمريكية لم تكن كافية أو شفافة بما يكفي.
وبغض النظر عن التفسيرات المختلفة أصبحت هذه الحادثة رمزًا لدى بعض المنتقدين للعلاقة الأمريكية الإسرائيلية، الذين يرون فيها مثالًا على حساسية واشنطن في التعامل مع تل أبيب مقارنة بغيرها من الدول.
نفوذ جماعات الضغط
لا يمكن فهم الجدل الأمريكي حول إسرائيل دون التوقف عند دور جماعات الضغط السياسية في واشنطن. ومن أبرز هذه الجماعات
AIPAC
التي تعد من أقوى جماعات الضغط في الولايات المتحدة.
يرى منتقدو هذا النفوذ أن هذه الجماعات لعبت دورًا كبيرًا في ترسيخ الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، بينما يؤكد مؤيدوها أنها تمثل مجرد نشاط سياسي مشروع في إطار النظام الديمقراطي الأمريكي.
غير أن حقيقة هذا النفوذ تبقى أحد أكثر الموضوعات إثارة للنقاش داخل المجتمع الأمريكي.
تحولات في الرأي العام
ما يميّز المرحلة الراهنة هو أن النقد الموجّه لإسرائيل لم يعد مقتصرًا على بعض الدوائر الأكاديمية أو السياسية، بل بدأ يمتد إلى قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي، خاصة بين الشباب.
فمع تكرار الحروب في الشرق الأوسط ومع انتشار وسائل الإعلام الرقمية التي تتيح متابعة الأحداث بشكل مباشر، أصبح جزء من المجتمع الأمريكي أكثر استعدادًا لمراجعة المسلّمات القديمة التي حكمت العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لعقود طويلة.
وقد ظهرت هذه التحولات بوضوح في الاحتجاجات الطلابية داخل الجامعات الأمريكية وفي النقاشات الإعلامية التي لم تعد تتردد في طرح أسئلة كانت في السابق تُعد من المحرمات السياسية.
بين التحالف والمراجعة
رغم كل هذه التحولات، لا يزال التحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل قويًا على المستوى السياسي والعسكري. غير أن ما يتغير اليوم ليس بالضرورة طبيعة هذا التحالف بقدر ما هو صورة إسرائيل في الوعي الأمريكي.
فإسرائيل التي كانت تُقدَّم لسنوات طويلة باعتبارها حليفًا لا غنى عنه، بدأت تُناقش اليوم داخل الولايات المتحدة بوصفها موضوعًا سياسيًا قابلًا للنقد والمراجعة.
وهذه المراجعة لا تعني بالضرورة نهاية التحالف، لكنها تشير إلى تحوّل مهم في الطريقة التي يفكر بها الأمريكيون في دور إسرائيل في سياستهم الخارجية.
سؤال المستقبل
في نهاية المطاف، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل سيظل التحالف الأمريكي الإسرائيلي ثابتًا كما كان طوال العقود الماضية، أم أن التحولات الجارية في الوعي الأمريكي ستدفع واشنطن يومًا ما إلى إعادة تعريف هذه العلاقة؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مستقبل العلاقات بين البلدين، بل قد تؤثر أيضًا في شكل السياسة الدولية في الشرق الأوسط خلال العقود القادمة.

























