د. وليد العريض يكتب: إمبراطورية الضباع التي أعلنت النصر على ظلها
نبأ الأردن -
"حين أعلنت الضباع النصر… قبل أن تبدأ الغابة القتال"
...
في الغابات القديمة، لا يخاف الحكماء كثيرًا من الضباع.
فالضبع حيوان صاخب، يملأ الليل عواءً وضجيجًا، لكنه نادرًا ما يعرف فن الصيد.
غير أن أخطر ما في الضبع ليس أنيابه… بل أوهامه.
فالضبع الذي يتخيل نفسه أسدًا يبدأ بإعلان النصر قبل أن تبدأ المعركة
ثم يقاتل ظله
ثم يقنع الببغاوات أن الغابة كلها قد هُزمت.
وهكذا تولد في الغابة إمبراطوريات عجيبة:
إمبراطوريات الضجيج
وإمبراطوريات البيانات
وإمبراطوريات الانتصارات الوهمية.
وهذه حكاية واحدة من تلك الإمبراطوريات…
إمبراطورية الضباع التي أعلنت النصر على ظلها.
بيان النصر العظيم
في صباحٍ ضبابي من صباحات الغابة
وقف الضبع الأشقر على صخرة عالية
وبجانبه الثعلب الذي يحلم منذ زمنٍ طويل بأن تتحول الغابة إلى مزرعة خاصة له.
رفع الضبع رأسه نحو السماء وصاح:
— انتهت المعركة!
لقد انتصرنا!
لقد قطعنا رأس الغابة!
صفقت الببغاوات التي تعيش على فتات الضباع
ونعقت الغربان في صحف الأشجار:
"انتصار تاريخي للضباع" .
لكن الغابة…
لم تسمع البيان.
حين اكتشف الضبع أن الغابة ليست رأسًا
كان الضبع يظن أن الغابة كائن بسيط:
إذا سقط الأسد،
سقطت الأشجار
وهربت الحيوانات
وأصبحت الغابة ملكًا للضباع.
لكن الذي حدث أربك الحسابات.
فما إن انتهى الضبع من خطابه
حتى خرج مجلس البوم من تجاويف الأشجار القديمة.
اجتمع الحكماء قليلًا،
تشاوروا بهدوء،
ثم قالوا:
- الغابة لا تموت.
واختاروا أسدًا جديدًا.
عندها فقط أدرك الضبع أنه أخطأ في الحساب.
لقد قتل الرأس…
لكن الجسد ما زال واقفًا.
إمبراطورية الأوهام
ومنذ تلك اللحظة بدأ الضبع يبني إمبراطوريته الجديدة:
إمبراطورية الأوهام.
كل مساء يقف على صخرته ويعلن:
— النصر المطلق!
وفي الصباح حين لا يحدث شيء،
يكرر الإعلان نفسه:
- النصر المطلق!
وكان الثعلب يهمس للببغاوات:
- اكتبوا هذا جيدًا… لقد انتصرنا.
لكن الحيوانات في الغابة كانت تعرف سرًا بسيطًا:
من يكرر كلمة النصر كثيرًا
يكون غالبًا يبحث عنه.
الحساب الذي أخطأته الضباع
كان الضبع قد وعد الثعلب أن الغابة ستنهار خلال أيام قليلة.
لكن الأيام مرّت
والأشجار بقيت واقفة
والجذور بقيت أعمق مما ظن الضبع.
بل حدث أمرٌ أسوأ.
حتى بعض الحيوانات التي كانت تختلف مع الأسد قالت:
- لن نفتح الغابة للضباع.
فالحيوانات القديمة تعرف شيئًا واحدًا:
كل من جاء لينقذ الغابة…
أراد أن يملكها.
الحيوانات التي لا تراها الضباع
بعيدًا عن صخور الضباع،
كانت هناك حيوانات أخرى تعمل بصمت.
حيوانات لا تظهر في نشرات الغربان
ولا تصفق لها الببغاوات.
لكنها تعرف دروب الغابة جيدًا.
تعرف الأنفاق تحت الأرض
وتعرف أن الصبر في الغابات الطويلة
أقوى من أنياب الضباع.
إلى تلك الحيوانات
ترفع الغابة تحية احترام.
إلى كل من وقف في وجه الضباع
وإلى كل من قال إن الغابة ليست للبيع.
النصر على الظل
في إحدى الليالي
وقف الضبع مرة أخرى على صخرته.
كان يريد إعلان النصر للمرة الألف.
لكن ضوء القمر كشف له شيئًا صغيرًا:
ظلّه على الأرض.
قفز الضبع نحو الظل وضربه بقوة
ثم صرخ بفخر:
- لقد انتصرنا!
ضحكت الحيوانات في الغابة.
فهي تعرف أن الضبع لم يهزم أحدًا.
لقد انتصر فقط…
على ظله.
خاتمة الغابة
وهكذا نشأت في الغابة إمبراطورية جديدة.
إمبراطورية الضباع
التي تعلن النصر قبل المعركة
وتحتفل قبل الحقيقة،
وتقاتل ظلالها.
لكن الغابة، كما تعرف الحيوانات القديمة،
لا تسقط ببيانٍ من ضبع
ولا تنهار بعواءٍ في الليل.
الغابة تسقط فقط
حين تموت جذورها.
وجذور الغابة…
ما زالت حيّة.
























