د. وليد العريض يكتب : المعرفة التي تأكل العالم
نبأ الأردن -
في القرن السابع عشر قال الفيلسوف الإنجليزي Francis Bacon جملة بسيطة بدت آنذاك كأنها حكمة مدرسية:
"المعرفة قوة" .
لكن التاريخ - ذلك الماكر الذي يحب السخرية - لم يترك الجملة كما هي.
لقد أخذها، كبّرها، شحذها، ثم وضعها في يد الجنرالات.
وهكذا تحوّلت المقولة الفلسفية إلى عقيدة عسكرية.
لم تعد المعرفة وسيلة لفهم العالم…
بل أصبحت وسيلة للسيطرة عليه.
في الحروب القديمة كان القائد يسأل سؤالًا بسيطًا:
كم عدد الجنود لدينا؟
ثم تطور السؤال قليلًا:
كم عدد الدبابات والطائرات؟
أما في حروب القرن الحادي والعشرين فقد أصبح السؤال مختلفًا تمامًا:
كم نعرف عن العدو؟
إنها ليست حرب عضلات، بل حرب عقول.
ليست حرب مدافع، بل حرب معلومات.
الدولة التي تعرف كل شيء عن خصمها لا تحتاج إلى معركة طويلة؛ يكفيها أن تضغط على زر واحد في المكان الصحيح.
لقد تغيّر شكل القوة في العالم.
لم تعد القوة في المدافع،
ولا في الطائرات
ولا حتى في الصواريخ العابرة للقارات.
القوة الحقيقية اليوم تسكن في مكان أكثر هدوءًا…
في مراكز تحليل البيانات.
هناك في غرف باردة بلا ضجيج، يجلس أشخاص لا يرتدون بزات عسكرية، لكنهم يديرون الحروب الحديثة.
إنهم لا يطلقون النار…
لكنهم يقررون أين ستسقط.
العالم اليوم يعيش في عصر جديد يمكن تسميته دون مبالغة:
إمبراطورية المعرفة.
الدولة التي تملك المعلومات عن العالم أكثر من غيرها، تملك قدرة شبه إلهية على التنبؤ.
تعرف الاقتصاد قبل أن ينهار.
وتعرف السياسة قبل أن تنقلب.
وتعرف الحرب قبل أن تبدأ.
وهنا تكمن المفارقة الساخرة:
الدول التي تتحدث أكثر عن الحرية…
تمتلك أكبر شبكات المراقبة في التاريخ.
والدول التي تبشّر بالديمقراطية…
تجمع عن البشر معلومات لم يكن ملوك القرون الوسطى يحلمون بها.
لقد أصبح الإنسان الحديث يعيش داخل ملف رقمي.
نحن لا نعيش فقط على الأرض…
بل نعيش أيضًا داخل قواعد بيانات ضخمة.
إن العالم اليوم لا يُحكم بالسلاح وحده، بل بالمعرفة.
من يعرف أكثر… يرى أبعد.
ومن يرى أبعد… يقرر أسرع.
ومن يقرر أسرع… ينتصر غالبًا.
أما الآخرون فمشكلتهم أنهم يعرفون الحقيقة دائمًا…
لكن بعد فوات الأوان.
يعرفون أن الحرب كانت قادمة،
لكن بعد أن تبدأ.
ويعرفون أن الخرائط تغيّرت،
لكن بعد أن تُرسم.
ويعرفون أنهم كانوا جزءًا من اللعبة،
لكن بعد أن تنتهي.
ربما لو عاد فرانسيس بيكون إلى الحياة اليوم ونظر إلى العالم الذي صنعته جملته، لابتسم ابتسامة مرّة.
ولربما قال لنا:
لم أكن أقصد أن تصبح المعرفة جنرالًا يقود الجيوش.
لكن يبدو أن الإنسان – حين يكتشف قوة جديدة – لا يعرف كيف يستخدمها…
إلا في الحرب.
وهكذا تحوّلت المعرفة من مصباح ينير الطريق…
إلى سلاح يحدد من يبقى على الطريق ومن يُمحى من الخريطة.
























