د. أحمد زياد أبو غنيمة: تهمة "الشعبوية" وقانون الضمان: حين يصبح الدفاع عن مستقبل الأردنيين جريمة!

د. أحمد زياد أبو غنيمة: تهمة الشعبوية وقانون الضمان: حين يصبح الدفاع عن مستقبل الأردنيين جريمة!
نبأ الأردن -
باتت تهمة "الشعبوية" سيفاً خشبياً مسلطاً، وكلمة حق يُراد بها باطل، تُشهر في وجه كل نائبٍ حر أو صاحب رأيٍ وطني يمتلك الجرأة للوقوف في خندق الشعب الأردني، والانحياز الصادق لهمومه في مواجهة السياسات التي تستنزف ما تبقى من جيوبه.
واليوم، تبرز هذه التهمة الجاهزة مجدداً، وبصوت أعلى من أي وقت مضى، كلما ارتفع صوتٌ شريف يعارض "تعديلات قانون الضمان الاجتماعي". 
هذا القانون الذي ليس مجرد حبر على ورق، بل هو الوثيقة التي تمس عصب كل بيت أردني، وتتعلق بـ "تحويشة العمر" التي اقتطعها المواطن الكادح من قوت عياله قرشاً بقرش، ليؤمن بها شيخوخته ومستقبل أبنائه.
****
يطل علينا البعض من أبراجهم العاجية، ليتهموا كل من يرفض المساس بحقوق المشتركين، أو يرفض تحميلهم فشل السياسات الاقتصادية وتخبط قرارات الاستثمار، بأنه "يبحث عن الشعبوية ويدغدغ عواطف العوام"، وهنا تكمن المفارقة المضحكة المبكية في مشهدنا السياسي؛ فلا يمكننا الحديث عن هذه التهمة دون التوقف عند مطلقيها؛ إن كثيرا ممن يتصدرون مشهد توزيع صكوك "الشعبوية" في مجالسهم وتنظيراتهم، هم أنفسهم أول من قطف ثمار التزلف والتقرب من الحكومات المتعاقبة. 
هم ذاتهم من حصدوا المناصب العليا، وجنوا العطايا، وتصدروا مجالس الإدارات برواتب فلكية ومكافآت خيالية لا تمت لواقع الأردنيين بصلة، هؤلاء الذين لم يعرفوا يوماً معنى أن ينتظر المواطن راتبه التقاعدي ليسد رمق عائلته، هم من ينظّرون اليوم على الأردنيين بضرورة "شد الأحزمة"، ويعتبرون الدفاع عن مؤسسة الضمان الاجتماعي – التي هي مظلة الأمان الأخيرة للأردنيين – مجرد "شعبوية مقيتة"!
****
الضمان الاجتماعي ليس منّة من حكومة ولا هبة من مسؤول، بل هو عرق الجبين وسهر الليالي للطبقة العاملة والمسحوقة، وعندما تُطرح تعديلات تنتقص من حقوقهم، أو تؤخر تقاعدهم، أو تهدد استقرار مؤسستهم، فإن الصمت هنا يصبح جريمة، والتصفيق لها يصبح خيانة للأمانة.
إن من ينحاز لآهات الأردنيين، ويستشعر الخطر الذي يحدق بمستقبل أبنائهم، لا يبحث عن تصفيق عابر أو بطولات زائفة. 
من يقف سداً منيعاً لحماية مقدرات الأردنيين في الضمان الاجتماعي يمارس واجبه الديني والأخلاقي والوطني الذي يمليه عليه ضميره الحُر. 
إن من يقف مع وجع المواطن الأردني ويحمي لقمة عيشه ومستقبل أبنائه ليس "شعبوياً" يستجدي العواطف، بل هو صاحب موقف وطني صلب؛ موقفٌ لا يُساوَم عليه بالمناصب والمكاسب، وسيسجله التاريخ بمدادٍ من ذهب في أنصع صفحاته، يوم تُطوى صفحات المنتفعين والمطبلين في غياهب النسيان.
****
وفي هذا المقام، وأمام هذا المنعطف الخطر الذي يمس أمننا المجتمعي والاقتصادي، لا بد من كلمة حق وموقف إنصاف؛ فتحية إجلال وتقدير نوجهها لنواب حزب جبهة العمل الإسلامي، ولكل نائب أردني حر وشريف، وقف كطودٍ شامخ تحت قبة البرلمان في وجه هذه التعديلات الجائرة؛ إن وقفتكم الصلبة وتصديكم لمحاولات المساس بحقوق المشتركين ليس "شعبوية" كما يحاول أدعياء الحكمة تصويره، بل هو صميم الأمانة، وجوهر الانتماء، والترجمة الحقيقية لمعنى أن يكون النائب ممثلاً لصوت الشعب ودرعاً حامياً لمقدراته.
****
أما بقية النواب، الذين حملتهم أصوات الأردنيين الكادحين إلى سدة الرقابة والتشريع، فإننا نضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية؛ ندعوكم لتغليب لغة الضمير، والوقوف صفاً واحداً مع المواطن الأردني المنهك في وجه تغول الحكومات وقوانينها الجائرة التي تستسهل مد يدها إلى جيوب المواطنين بدلاً من معالجة الخلل المالي والإداري.
تذكروا جيداً أن كراسي النيابة زائلة، وأن الحكومات سترحل، ولن يبقى لكم إلا مواقفكم، فالتاريخ لا يرحم، والمواطن الأردني الأصيل ذكي بالفطرة؛ لا ينسى من باعه وخذله في منتصف الطريق ليحظى برضا الحكومة، ولا ينسى من انحاز لآهاته، وصان "تحويشة عمره"، ودافع عن مستقبل أبنائه بصدق وشرف.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions