إحسان الفقيه تكتب : سرايا أولياء الدم.. الواجهة التي كشفت المشروع الإيراني ضد الأردن

إحسان الفقيه تكتب : سرايا أولياء الدم.. الواجهة التي كشفت المشروع الإيراني ضد الأردن
نبأ الأردن -
لم يكن اسم "سرايا أولياء الدم" معروفا قبل سنوات قليلة، ولم يسمع به معظم الناس في المنطقة، لكن هذا بالضبط ما أراده صانعوه.

ففي عوالم الميليشيات المرتبطة بإيران لا تولد الأسماء لكي تعيش طويلا، بل لكي تؤدي وظيفة محددة ثم تختفي. يظهر الاسم حين يراد إطلاق صاروخ، أو إرسال طائرة مسيرة، أو توجيه تهديد، ثم يختفي في ضباب البيانات الغامضة والتصريحات المتناقضة.

الأسماء هنا ليست هويات، بل أقنعة.

ولهذا فإن السؤال الذكي ليس: من هي "سرايا أولياء الدم"؟
السؤال الأدق هو: من يتكلم من خلف هذا القناع؟
حين أعلنت هذه الجماعة أنها تقاتل "تحت راية المرشد الإيراني علي خامنئي"، لم تكن تقدم مجرد شعار عقائدي، بل كانت تقول الحقيقة التي تحاول طهران دائما أن تخفيها: أن كثيرا من الفصائل التي تتحرك في العراق وسوريا ولبنان ليست إلا أذرعا ممتدة لمشروع سياسي واحد، يتغير اسمه من بلد إلى آخر، لكنه يبقى وفيا لفكرة واحدة: أن النفوذ لا يحتاج إلى حدود.

وهنا يبدأ القلق الحقيقي بالنسبة للأردن.

فالأردن لم يكن يوما ساحة للفوضى التي ضربت دولا أخرى في المنطقة، ولم يسمح بأن تتحول أرضه إلى منصة للصراعات بالوكالة. لكن حين تصل الطائرات المسيّرة إلى سمائه، وحين تظهر الحشود المسلحة على حدوده، وحين تتحدث ميليشيات عراقية عن استهداف قواعده العسكرية، فإن الأمر يتجاوز حدود الاستعراض الإعلامي ليصبح اختبارا صريحا لثبات الدولة واستقرارها.

ليست المشكلة في فصيل يحمل اسما طارئا؛ فهذه الأسماء تظهر وتختفي كل عام. المشكلة في الفكرة التي تقف خلفها: فكرة أن الدول العربية يمكن أن تتحول إلى ساحات مفتوحة لتصفية حسابات الآخرين، وأن الحدود يمكن أن تصبح مجرد خطوط على الرمل إذا قررت الميليشيات عبورها بطائرة مسيرة أو بصاروخ عابر للصحراء.

وقد أظهرت دراسات بحثية تابعت نشاط هذا الفصيل منذ ظهوره عام 2020 أنه لا يمثل تنظيما مستقلا بالمعنى التقليدي، بل واجهة عملياتية تستخدمها فصائل أكبر مثل كتائب حزب الله وعصائب أهل الحق وكتائب سيد الشهداء....

وقد وصفه باحثون في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بأنه مجرد "علامة عملياتية" تلجأ إليها الميليشيات المرتبطة بإيران لتبني الهجمات دون كشف البنية الحقيقية التي تقف خلفها.

هذه التقنية ليست تفصيلا تنظيميا، بل جزء من عقيدة حرب كاملة طورتها طهران عبر سنوات طويلة: الحرب بالوكالة، والهجوم تحت العتبة، وتفتيت المسؤولية بحيث تختفي اليد الحقيقية خلف سلسلة من الواجهات والأسماء المؤقتة.

ولهذا لا يهم كثيرا كم عدد مقاتلي هذا الفصيل أو أين تقع قيادته، لأن السؤال الحقيقي ليس من هو، بل من الذي يستخدمه ومتى.

والجواب جاء على لسانه هو نفسه.

ففي بيان صدر في أواخر فبراير 2026 أعلن أن جميع القواعد الأمريكية في العراق والمنطقة "أهداف مشروعة"، مؤكدا أنه يقاتل "تحت راية المرشد الإيراني علي خامنئي".

 هذه الجملة وحدها كافية لفهم الصورة كاملة....
 فحين يعلن فصيل عراقي صراحة أنه يقاتل تحت راية مرشد دولة أخرى، فإنه يسقط بنفسه كل ادعاء بأنه جزء من قرار وطني مستقل، ويصبح مجرد امتداد جغرافي لمشروع سياسي وعسكري عابر للحدود.

وقد قال خامنئي نفسه في أكثر من خطاب: إن نفوذ إيران لا يقف عند حدودها الجغرافية، بل يمتد عبر ما يسميه "محور المقاومة"، مؤكدا أن هذه الجبهة ليست محدودة بحدود دولة معينة. وهذه ليست عبارة دعائية، بل توصيف دقيق للشبكة التي نراها اليوم:
 فصائل متفرقة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، تتحرك بأسماء مختلفة، لكنها تتكلم بلسان واحد حين يتعلق الأمر بالمصالح الاستراتيجية لإيران.

غير أن أخطر ما في هذه الظاهرة ليس وجود الفصيل ذاته، بل المسرح الذي اختار أن يظهر فيه.

ففي مارس 2026 أعلنت الجماعة أنها نفذت هجوما بطائرات مسيرة باتجاه قاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، مدعية أن القواعد الأردنية تستخدم لضرب إيران.

 وفي الوقت نفسه رصدت تقارير أمنية حشودا لميليشيات مرتبطة بالحشد الشعبي قرب منفذ طريبيل الحدودي مع الأردن، في مشهد لا يمكن قراءته إلا بوصفه محاولة ضغط على واحدة من أكثر الدول العربية حساسية في معادلة الأمن الإقليمي.

الأردن ليس مجرد بلد صغير في الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، بل عقدة توازن بين العراق وسوريا وفلسطين والخليج....
 وأي محاولة لزعزعة استقراره لا تمس الأردن وحده، بل تمس البنية الأمنية للمنطقة كلها.

والأخطر أن الوسيلة المستخدمة تكشف طبيعة الاستراتيجية الجديدة.

فالميليشيات المرتبطة بإيران أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة، مثل طائرات "شاهد" الإيرانية.....
 هذه الطائرات ليست خطيرة لأنها لا يمكن إسقاطها، بل لأنها رخيصة مقارنة بكلفة اعتراضها؛ فكل مسيرة قد تجبر الدفاعات الجوية على إطلاق صاروخ اعتراض باهظ الثمن....
 ومع تكرار الهجمات يتحول الدفاع نفسه إلى عملية استنزاف اقتصادي وعسكري.

إنها فلسفة حرب كاملة:
أن تجعل الخصم يدفع كلفة الدفاع أكثر مما تدفع أنت كلفة الهجوم.

لكن السؤال الأهم يبقى: لماذا الأردن؟
- لأن الأردن يمثل حجر الزاوية في منظومة الاستقرار العربي المعتدل، دولة حافظت على توازنها في منطقة تموج بالحروب والانهيارات....
 ولهذا فإن أي اضطراب فيها يفتح أبوابا واسعة للفوضى تمتد من حدود العراق إلى شواطئ المتوسط.

وهذا ما يجعل تهديد منشآته الحيوية أو قواعده الجوية أو حدوده البرية أكثر من مجرد عمل عسكري؛ إنه محاولة لإدخاله في معادلة الفوضى الإقليمية التي صنعتها طهران عبر سنوات من توسيع نفوذ الميليشيات في أكثر من بلد عربي.

وهنا تسقط الأسطورة التي ترددها هذه الجماعات عن "المقاومة"....

 فالمقاومة الحقيقية تتجه إلى العدو المباشر، لا إلى المطارات العربية ومحطات الطاقة والبنية التحتية للدول المجاورة.
وهكذا فإن ما يحدث اليوم ليس مجرد حادث أمني عادي، بل فصل جديد في صراع أكبر بكثير من اسم فصيل أو عدد طائرات مسيرة....
أكرر:
إنه صراع بين فكرة الدولة التي تحرس حدودها وتحمي مجتمعها، وبين فكرة الميليشيا التي ترى المنطقة كلها ساحة مفتوحة لحروب الوكالة.

وفي النهاية قد تختفي أسماء مثل "سرايا أولياء الدم" كما ظهرت، فالواجهات تتغير دائما....
 لكن المشروع الذي يقف خلفها يبقى هو نفسه: مشروع نفوذ لا يعترف بالحدود إلا بوصفها خطوطا قابلة للاختراق.

وهذا هو الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن تراه المنطقة قبل أن تتحول المسيرات الصغيرة التي تعبر الصحراء إلى حقيقة سياسية أكبر تعبر حدود المنطقة كلها.
==

إحسان الفقيه
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions