نضال المجالي يكتب: الدولة في مواجهة الضجيج

نضال المجالي يكتب: الدولة في مواجهة الضجيج
نبأ الأردن - سواء أعجبنا ذلك أم لم يعجبنا، فإن حكومة حسان تقف اليوم في قلب واحدة من أكثر اللحظات حساسية وتعقيداً في تاريخ الدولة الأردنية الحديث. ليست المسألة مجرد إدارة يومية لملفات تقليدية، بل مواجهة مفتوحة مع أزمات متشابكة: اقتصاد يئن تحت ضغوط قاسية، إقليم مشتعل بالحروب، ومناخ سياسي داخلي يتقاطع فيه المسؤول مع الشعبوي، والوطني مع الباحث عن بطولة سريعة أمام الكاميرات. 

المرحلة لا تشبه ما قبلها. حولنا حروب تتسع رقعتها وأثرها، واقتصاد عالمي مضطرب يفرض على الدول الصغيرة مساحة وموارد خيارات صعبة، وأوضاع داخلية تتطلب قرارات قد لا تكون شعبية لكنها في كثير من الأحيان ضرورية وأبرزها معدل قانون الضمان. وفي وسط هذا المشهد، تتحرك الحكومة في مساحة ضيقة بين الواجب الوطني وبين ضجيج سياسي يتغذى أحياناً على الإثارة أكثر مما يتغذى على المسؤولية.
ما يلفت النظر في هذه المرحلة ليس فقط كثافة التحديات، بل حجم الحركة الحكومية التي لم نعتد عليها بهذا الإيقاع. زيارات ميدانية متلاحقة، اجتماعات متابعة لا تتوقف، وملفات تُفتح تباعاً في محاولة لكسر الجمود الإداري الذي تراكم عبر سنوات طويلة. قد نختلف مع بعض النتائج، وقد ننتقد بعض القرارات، لكن لا يمكن إنكار أن هناك محاولة فعلية لإدارة المرحلة بقدر أكبر من الحضور والمواجهة.
لكن في المقابل، يظهر وجه آخر للمشهد السياسي: شعبويات صاخبة، وبطولات نيابية يمكن وصفها- دون مبالغة- بأنها "دنكيشوتية". بطولات من ورق يظن أصحابها أن رفع جلسة، أو إطلاق خطاب ناري، أو افتعال مواجهة إعلامية هو إنجاز سياسي. بينما الحقيقة أن مثل هذه الممارسات لا تصنع إصلاحاً ولا تحمي الدولة، بل تزيد الاحتقان وتغذي الفوضى وتربك المشهد في لحظة تحتاج إلى أكبر قدر ممكن من التعقل.
بعض ما سنسمعه في الأيام المقبلة لن يتجاوز حدود "السواليف". كلام مرتفع السقف، شعارات جاهزة، وادعاءات بطولة تُلقى في الهواء دون أي مسؤولية عن نتائجها. الأخطر من ذلك هو محاولات ركوب الموجة والدعوة إلى الشارع وكأن البلاد تعيش فراغاً سياسياً أو انهياراً مؤسسياً.
الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح: الدعوة إلى الشارع في هذه الظروف ليست بطولة، بل مغامرة غير محسوبة. فالأردن اليوم يقف وسط منطقة تعصف بها الأزمات، وأي احتقان داخلي إضافي لا يخدم إلا الفوضى. ومن يظن أن تحريك الشارع في مثل هذه اللحظة يخدم الوطن، فهو إما لا يدرك خطورة المرحلة، أو أنه يضع حساباته الشخصية والحزبية فوق مصلحة الدولة.
بل إن بعض الدعوات التي تصدر عن بعض النواب وأحد الأحزاب المتخصصة "بكركبة" المشهد وغالبا من فوق "بكب" لا تحمل في مضمونها مشروعاً سياسياً حقيقياً، بل مجرد خطاب احتجاجي دائم لا يعرف سوى الهدم. خطاب لا يقدم حلولاً، ولا يفهم تعقيدات الدولة، ولا يرى في السياسة إلا منصة للضجيج.
في المقابل، يجب أن يكون واضحاً أن الخروج الوحيد الذي يحتاجه الأردن اليوم هو الخروج من أجل الوطن، لا ضده. خروج لحماية الاستقرار، لإسناد الدولة، ولتعزيز تماسك المجتمع في مواجهة التحديات الإقليمية الخطيرة. أي دعوة أخرى لا تصب في هذا الاتجاه هي دعوة تفتح الباب للاحتقان والانقسام.
الدولة اليوم لا تواجه أزمة حكومة فقط، بل تواجه أيضاً اختبار الوعي العام. اختبار القدرة على التمييز بين من يعمل بصمت لحل المشكلات، ومن يرفع صوته ليصنع بطولة مؤقتة.
قد نختلف مع الحكومة، وقد ننتقد أداءها، وأكتب أسبوعياً في نقد الإدارة، وهذا حق مشروع بل ضروري. لكن تحويل السياسة إلى مسرح للشعبويات لن يبني دولة، ولن يحل أزمة، ولن يحمي وطناً.
في لحظات كهذه، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يرفع صوته أكثر… بل من يتحمل مسؤولية الوطن ليهدأ الضجيج.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions