م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تقاتل الإمبراطوريات طواحين التاريخ

م. صلاح طه عبيدات يكتب: حين تقاتل الإمبراطوريات طواحين التاريخ
نبأ الأردن -
كان خلف يقف على تلٍ صخري في مساءٍ طويلٍ من أمسيات الريح، يتأمل الأفق كمن يقرأ صفحةً غامضة من كتاب التاريخ.
لم يكن يرى قواعد عسكرية ولا صواريخ ولا خرائط سياسية… بل كان يرى شيئًا أعمق: وهم القوة حين يصطدم بصبر الزمن.
التفت إلى رفيقه مسعود وقال بصوتٍ يشبه حكمة الصحراء:
ما أغرب هذا العالم يا مسعود…
يبني الإنسان حصونه من الحديد،
ويظن أن الحديد أقوى من القدر.
شيّدوا القواعد كما تُشيَّد القلاع في حكايات الفرسان؛
مدنًا من الخرسانة،
وراداراتٍ تلامس السماء،
وأساطيلَ تحرس البحار كما لو أن البحر نفسه قد بايعها.
لكن التاريخ — يا مسعود — لا يخضع لحسابات المهندسين ولا لخرائط الجنرالات.
إنه يمشي ببطءٍ شديد،
بخطواتٍ خفية،
ثم فجأة…
يقلب الرقعة كلها.
في لحظةٍ واحدة قد تتحول تريليونات الدولارات إلى رمادٍ يتطاير في الهواء،
كما تتحول طواحين الهواء في عيون فارسٍ حالم إلى عمالقةٍ هائلة.
القوة يا مسعود ليست في عدد السيوف،
ولا في ارتفاع الأسوار،
بل في القدرة على الانتظار الطويل.
هناك أمم تحارب بعقودٍ من الصبر،
تحفر أنفاقها في الأرض كما تحفر الجذور طريقها في الصخر،
وتخفي قوتها في الأعماق حيث لا تصل عيون الأقمار الصناعية.
أما الإمبراطوريات،
فكثيرًا ما تقع في خطأ الفرسان المغرورين؛
تظن أن السماء ستفتح أبوابها لها لمجرد أنها تملك أعظم الجيوش.
لكن السماء لا تنحاز لأحد.
إنها فقط تراقب.
وكل حربٍ تبدأ بثقةٍ عمياء
تنتهي غالبًا بحقيقةٍ مرة:
أن الجغرافيا ليست مجرد خطوطٍ على خريطة،
وأن الشعوب ليست مجرد أرقام في تقارير الحرب،
وأن الأرض التي تستعد للمعركة عقودًا
لا تُهزم في أيام.
صمت خلف طويلًا،
وأخذ يتأمل الأفق حيث ترتفع أعمدة الدخان كأنها أسئلةٌ سوداء في وجه التاريخ.
ثم قال بصوتٍ خافت:
أخطر المعارك يا مسعود ليست تلك التي تدور بالصواريخ…
بل تلك التي تدور بين وهم القوة
وصبر التاريخ.
فالإمبراطوريات — مهما عظمت —
قد تنتصر في معركة،
لكنها حين تدخل حربًا مع الجغرافيا والذاكرة والصبر
فإنها كثيرًا ما تجد نفسها تقاتل
طواحين هواءٍ لا تراها.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions