إحسان الفقيه تكتب : تصريحات "فيدان" الواقعية .. ونحن!
نبأ الأردن -
يتداول البعض تصريحات لوزير الخارجية التركي هاكان فيدان .. تحمل قدرا كبيرا من الواقعية السياسية التي نادرا ما يُراد سماعها في عالمنا العربي، خاصة من قبل أولئك الذين يعيشون على إيقاع الشعارات العالية واللغة المشتعلة ...
خلاصة ما قاله الرجل كانت بسيطة، لكنها ثقيلة في معناها:
-" أي دولة تفكر حتى في مجرد مناوشة إسرائيل أو الولايات المتحدة، قبل أن تفكر في إطلاق خطاب الحرب، عليها أولاً أن تبني قدرة عسكرية واستخباراتية حقيقية، وأن تتهيأ لعواقب ما ستقدم عليه."
لم يكن كلامه دعوة للاستسلام، بل دعوة إلى العقل قبل الحماسة، وإلى الاستعداد قبل المغامرة....
فالحروب ليست قصائد حماسية تُلقى على المنابر، ولا منشورات على مواقع التواصل، بل منظومات كاملة من القوة والاقتصاد والاستخبارات والتكنولوجيا والتحالفات.
المفارقة العجيبة أن هذا الكلام، لو صدر عن مسؤول عربي، لقامت عليه الدنيا ولم تقعد...... وَلَتمّ اتهامه فوراً بالجبن، وبالتخاذل، والعمالة .. وبأنه لا يتوكل على الله، ولسُمعت العبارات الجاهزة والآيات الكريمة التي اعتدنا سماعها لتبرير مغامرات سياسية كارثية دفعت ثمنها شعوب كاملة....
لكن حين يتحدث مسؤول في دولة تُحسب في نظر هؤلاء على محور "الممانعة الرمزية" البارعة في الكلام والخطابات العاطفية المؤثرة، يصبح الكلام فجأة حكمة سياسية... سبحانك يارب..
الحقيقة التي لا يريد كثيرون الاعتراف بها أن الفرق بين الدولة والميليشيا ليس في الخطاب، بل في طريقة التفكير...
الدولة حين تفكر بالحرب تسأل أولا:
ما ميزان القوى؟
ما القدرة الاقتصادية على الصمود؟
ما حجم الرد المتوقع؟
ما كلفة القرار على الشعب والدولة؟
أما الميليشيات والحركات المؤدلجة فغالبا ما تبدأ من الجهة المعاكسة:
ترفع الشعار أولا، ثم تحشد الحشود عبر الأصوات العالية والألفاظ البذيئة والشتم والتخوين والتشكيك لكي يتم وصفهم بالشُجعان وآخر المُحترمين ... ثم تبحث لاحقا عن كيفية النجاة من نتائجه.
ولهذا رأينا خلال العقود الأخيرة حروبا كثيرة بدأت بخطاب ناري وانتهت بمدن مدمرة وشعوب منهكة ودول مكسورة.
ما قاله هاكان فيدان ليس اكتشافا جديدا في علم السياسة، بل هو قاعدة قديمة يعرفها كل من قرأ التاريخ:
القوة تُبنى قبل الحرب، لا أثناءها....
فالدول لا تدخل مواجهة مع قوى كبرى اعتمادا على الحماسة وحدها، لأن الحماسة قد تشعل المعركة، لكنها لا تحسمها.
أما العنتريات التي تُلقى في الخطب والمنابر، فهي تصلح لإثارة الحشود، لكنها حين تقع الواقعة لا تحمي حتى من أبسط صفعة في ميزان القوى...
السياسة ليست امتحانا في الشجاعة، بل اختبار في العقل والمسؤولية....
والدولة التي تحب شعبها لا تدفعه إلى المغامرات، بل تبني له أسباب القوة أولا… ثم تتحدث بعد ذلك عن المواجهة إن لزم الأمر.
ففي عالم الدول ..
الشعار كما الهُتاف لا يصنع نصرا ...
والصوت العالي لا يغيّر موازين القوة ..
الحروب لا تُدار بالشعر ولا تُحسم بالاقتباسات الحماسية من الكتب ..
بل تُدار بحسابات قاسية، وأرقام صارمة واضحة، وموازين قوة لا تكترث للعواطف...
الدولة تفكر قبل أن تقاتل ..
أما الشعار فيقاتل قبل أن يفكر....
























