وائل منسي يكتب:حرب إيران المحتملة: قراءة استشرافية في تحولات القوة والنظام الدولي

وائل منسي يكتب:حرب إيران المحتملة: قراءة استشرافية في تحولات القوة والنظام الدولي
نبأ الأردن -
حين نقترب من سيناريو الحرب المحتملة مع إيران عبر أدوات الاستشراف المستقبلي التي تقوم على تحليل الاتجاهات الكبرى، وبناء السيناريوهات، ومصفوفة التأثير المتبادل، ومنهجيات نظرية الألعاب ( هي إطار تحليلي رياضي استراتيجي يُستخدم لفهم سلوك الأطراف (لاعبين) عندما تعتمد نتائج قرارات كل طرف على قرارات الأطراف الآخرين، أي أنها تدرس اتخاذ القرار في بيئة تفاعلية حيث لا يوجد فاعل مستقل تماما )، يتبدّى المشهد أبعد من كونه مواجهة عسكرية تقليدية. نحن أمام اختبار هيكلي لمنظومة الهيمنة العالمية، ولمعادلة الردع، ولسلاسل الطاقة والمال والتكنولوجيا في آنٍ معًا.
وفق مقاربة الاتجاهات (Trends Analysis)، يتضح أن إيران لم تتعامل مع التصعيد باعتباره حدثا طارئا، بل كمسار ممتد منذ عقدين على الأقل، قائم على "الاستنزاف غير المتكافئ" فبدل الدخول في مواجهة تقليدية مباشرة مع الولايات المتحدة، طورت طهران شبكة نفوذ إقليمي عبر فواعل مسلحة غير دولتية مثل حزب الله وحماس والحوثيين، مما أتاح لها اختبار أنماط الردع الأمريكية والإسرائيلية بصورة غير مباشرة، وراكم خبرة عملياتية في إدارة الصراع طويل النفس.
ومن منظور نظرية الألعاب نفسها ( في بعض السياقات العسكرية: نمذجة الصراع الاستراتيجي )، يتحول الصراع إلى معادلة "تكلفة مقابل استدامة”. فالصواريخ الرخيصة نسبيًا في كلفتها الإنتاجية تُجبر الخصم على استخدام منظومات اعتراض عالية الكلفة، ما يخلق اختلالًا في ميزان الاستنزاف.
 هنا لا يكون السؤال: من يملك التفوق التكنولوجي؟ بل: من يستطيع الصمود اقتصاديًا وزمنيًا؟ 
وهذا جوهر التحول من حروب الحسم إلى حروب الإرهاق البنيوي.
عبر أداة مصفوفة التأثير المتبادل (Cross-Impact Matrix) يمكن رصد الترابط بين أربعة متغيرات حرجة: أمن الطاقة، استقرار الخليج، أسواق المال الأمريكية، واستثمارات الذكاء الاصطناعي.
 أي اضطراب واسع في الخليج سواء عبر تهديد منشآت الطاقة أو تعطيل الملاحة في مضيق هرمز  لا ينعكس فقط على أسعار النفط، بل يمتد إلى دورة "البترودولار” التي أعادت لعقود تدوير فوائض النفط داخل الأسواق الأمريكية.
وقد بدأت إيران فعلا ضرب خطوط النفط في أذربيجان وجورجيا كذلك.
فالاقتصاد الأمريكي في مرحلته الراهنة يعتمد بصورة كبيرة على رسملة قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لا سيما الاستثمارات الضخمة في مراكز البيانات والحوسبة السحابية، التي تقودها شركات مثل Amazon. جزء من هذه التدفقات الاستثمارية يأتي من صناديق سيادية خليجية.
 وفي حال تعرضت بنية الطاقة الخليجية لهزات عميقة، فإن قدرة هذه الدول على الاستمرار في تمويل استثمارات خارجية ضخمة قد تتراجع، ما يهدد بتصحيح قاسٍ في أسواق التكنولوجيا الأمريكية، ويكشف هشاشة "الاقتصاد المالي المؤجل” الذي يرتكز على توقعات نمو مستقبلية أكثر من اعتماده على إنتاج مادي تقليدي.
من زاوية السيناريوهات البديلة، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
أولًا، احتواء محدود يبقي المواجهة ضمن سقف الضربات المتبادلة دون انزلاق شامل.
ثانيًا، تصعيد إقليمي واسع يشمل تهديدًا مباشرًا للبنية التحتية للطاقة والمياه في الخليج، ما يضع دولًا مثل المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة تحت ضغط وجودي.
ثالثًا، انزلاق إلى تدخل بري أمريكي، وهو السيناريو الأعلى تكلفة سياسيًا وعسكريًا، والأكثر خطورة على صورة الردع الأمريكية عالميا.
التحليل الهيكلي يشير إلى أن إرسال قوات برية إلى إيران إن حدث لن يكون مجرد قرار عسكري، بل مقامرة استراتيجية في بيئة دولية لم تعد أحادية القطب.
 فالنظام الدولي يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية، حيث تتحرك قوى كبرى أخرى اقتصاديًا واستخباراتيًا وتقنيًا مثل الصين وروسيا لدعم توازن مضاد يمنع انفراد واشنطن بالتحكم بممرات الطاقة العالمية.
 وهنا يتحول الخليج من ساحة صراع إقليمي إلى عقدة مركزية في إعادة تشكيل ميزان القوة العالمي.

من منظور تحليل STEEP (السياسي، الاقتصادي، الاجتماعي، التكنولوجي، البيئي) يتضح أن الصراع لا يقتصر على بعد عسكري:
سياسيا، يتآكل الإجماع الداخلي الأمريكي حول جدوى الحروب الخارجية الطويلة.
اقتصاديا، يرتبط استقرار الدولار باستمرار تدفقات الطاقة والبترودولار.
اجتماعيا، تعاني المجتمعات الغربية من إرهاق الحروب الممتدة.
تكنولوجيا، تتغير طبيعة الحروب لصالح أدوات أقل كلفة وأكثر لامركزية.
وبيئيا، أي استهداف لمنشآت الطاقة أو المياه في منطقة شحيحة الموارد قد يخلق أزمات إنسانية حادة.
بهذه القراءة، لا تبدو الحرب   مجرد مواجهة بين دولتين، بل اختبارا لقدرة النظام الدولي الحالي على الصمود أمام صدمة مركبة تضرب الطاقة والمال والتكنولوجيا في آن واحد. 
وإذا كان القرن العشرون قد حُسم عبر الحروب الصناعية الكبرى، فإن صراعات القرن الحادي والعشرين تُحسم بمدى القدرة على إدارة التعقيد، وتحمل الاستنزاف، وإعادة تعريف مصادر القوة.

 الاحتمال الأخطر لا يكمن فقط في نتيجة عسكرية مباشرة، بل في ما قد تكشفه الحرب من حدود للقوة الأمريكية، وما قد تعجل به من انتقال نحو نظام دولي متعدد الأقطاب، حيث تصبح السيطرة على الممرات الاستراتيجية مثل مضيق هرمز، والتحكم بسلاسل الطاقة والتمويل، عناصر مركزية في معادلة النفوذ العالمي الجديدة.

وائل منسي

تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions