د.حسن براري يكتب : الضمان الاجتماعي وخطر الانهيار
نبأ الأردن -
من الصعب أن يثق المواطن بمؤسسة تشريعية لم يشعر يوماً أنها انتصرت له في قضية مصيرية. فمجالس النواب في الأردن، في نظر كثيرين وأنا من بينهم، لم تنجح ولو مرة واحدة في الوقوف بوضوح إلى جانب مصالح الناس عندما تعارضت مع قرارات الحكومات. لهذا ليس مستغرباً أن تتراجع نسب المشاركة في الانتخابات وأن لا تتجاوز في بعض الدورات 29%، وهي نسبة تعكس فجوة ثقة عميقة بين المجتمع وممثليه المفترضين.
قضية قانون الضمان الاجتماعي مثال صارخ على هذه الفجوة. فالمشكلة الحقيقية التي ورطت مؤسسة الضمان ليست مجرد تعديلات قانونية أو خلل إداري عابر، بل تسلط الحكومات المتعاقبة على أموال الأردنيين التي جمعت على مدى عقود من اقتطاعات رواتبهم بالدينار، باعتبارها تحويشة العمر وضمان المستقبل. هذه الأموال كان يفترض أن تكون خطاً أحمر لا يمس، لكنها تحولت في كثير من الأحيان إلى مورد سهل للحكومات تستخدمه لسد عجز هنا أو تمويل مشروع هناك.
ولا يكفي اليوم القول إن المسؤولية حكومية متراكمة عبر السنوات. فالتراكم لا يعني غياب المسؤولية، بل يفرض سؤالاً أكثر إلحاحاً، فمن حاسب من؟ وكيف مر كل ذلك من دون مساءلة حقيقية؟ وكأن ما جرى هو توزيع لدم النيل من مدخرات الأردنيين على قبائل الحكومات المتعاقبة، بحيث تضيع المسؤولية بين الجميع فلا يُحاسب أحد.
ترحيل المشكلة إلى الأمام ليس حلاً. فالمعالجات الترقيعية، أو الاكتفاء بتعديل بعض البنود هنا وهناك، لن يعالج الخلل البنيوي الذي أصاب فكرة الضمان نفسها. فالمطلوب هو البحث في جذور المشكلة: كيف أُديرت أموال الضمان؟ من اتخذ القرارات التي أضعفت استقلاليته؟ ولماذا لم تصان هذه الأموال كما يجب؟
لكن السؤال الأهم يبقى فيما إذا كان مجلس النواب، بتركيبته الحالية ومستوى الثقة الشعبية به، مؤهل أصلاً لمناقشة قضية بحجم تحويشة الأردنيين؟ فالأمر لا يتعلق بتشريع عادي، بل بمستقبل مئات آلاف العائلات التي ترى في الضمان شبكة الأمان الوحيدة لها في الشيخوخة أو المرض.
لهذا فإن النقاش الحقيقي حول الضمان الاجتماعي يجب أن يتجاوز مجرد جلسة نيابية أو خطاب رسمي. إنه نقاش يتعلق بالثقة المفقودة بين الدولة والمجتمع، وبحق الأردنيين في معرفة كيف أُديرت مدخراتهم، ومن يتحمل مسؤولية ما جرى، وكيف يمكن حماية هذه الأموال مستقبلاً بعيداً عن أي تسلط حكومي أو حسابات سياسية ضيقة.
حسنًا فعلت الحكومة في الانتباه إلى أن الاقتراب من نقطة التعادل الأولى، لكن معالجتها خاطئة ولا تتجاوز فكرة ترحيل المشكلة بدلا من ايجاد الاستدام المطلوبة.

























