د. وليد العريض يكتب: لماذا هذه المعركة؟… وما بعد المعركة في 8 اسئلة

د. وليد العريض يكتب: لماذا هذه المعركة؟… وما بعد المعركة في 8 اسئلة
نبأ الأردن -
لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد جولة جديدة من جولات الصراع التقليدي، بل يبدو أقرب إلى عملية إعادة تشكيل كبرى للنظام الإقليمي والعالمي.
إنها لحظة تاريخية تشبه تلك اللحظات التي أعقبت الحربين العالميتين، حين لم تتغير الخرائط فقط، بل تغيرت موازين القوة ومراكز القرار.

فالحروب الكبرى في التاريخ لا تُخاض لأسباب معلنة فقط، بل غالباً ما تكون واجهة لصراعات أعمق: صراع على الطاقة وعلى طرق التجارة وعلى السيطرة الجيوسياسية.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: من سيكسب المعركة؟
بل: كيف سيبدو العالم بعد انتهاء المعركة؟
وللإجابة عن ذلك لا بد من المرور عبر مجموعة من الأسئلة الجوهرية.

أولاً: لماذا هذه المعركة أصلاً؟
إذا جردنا المشهد من الضجيج الإعلامي سنجد أن جوهر الصراع يدور حول ثلاث قضايا استراتيجية كبرى:

1. السيطرة على شرايين الاقتصاد العالمي
الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة صراعات سياسية، بل هو عقدة المواصلات الكبرى للطاقة والتجارة.
فمن هذه المنطقة تمر أهم الممرات البحرية في العالم:
مضيق هرمز
باب المندب
قناة السويس
مضيق البوسفور
البحر الأحمر
شرق المتوسط
والسيطرة على هذه الممرات تعني عملياً التحكم بجزء كبير من الاقتصاد العالمي.

2. كسر صعود القوى الجديدة
الصراع الدائر مرتبط أيضاً بصعود قوى كبرى جديدة، خصوصاً:
الصين
روسيا
تكتل البريكس
فالمعركة ليست شرق أوسطية فقط، بل هي جزء من الصراع على قيادة النظام العالمي القادم.

3. إعادة ترتيب المنطقة
منذ نهاية الحرب الباردة والشرق الأوسط يعيش مرحلة انتقالية طويلة.
لكن هذه المرحلة ربما دخلت الآن مرحلتها الحاسمة.
فالقوى الكبرى تسعى إلى:
إعادة رسم مناطق النفوذ
تثبيت حلفاء جدد
إضعاف القوى المتمردة
بمعنى آخر: إعادة كتابة معادلة القوة في المنطقة.

ثانياً: ما وزن أمريكا وإسرائيل بعد المعركة؟
الولايات المتحدة
مهما كانت نتائج المعركة، ستبقى أمريكا القوة العسكرية الأكبر في العالم، لكن وزنها السياسي سيتغير.
السيناريو الأقرب هو:
استمرار التفوق العسكري الأمريكي
لكن تراجع القدرة على التحكم الكامل بالعالم
بعبارة أخرى:
أمريكا لن تختفي، لكنها ستتحول من قطب مهيمن إلى قطب رئيسي ضمن عدة أقطاب.
إسرائيل
أما إسرائيل فهي تدخل هذه المرحلة في وضع معقد.
فهي تمتلك:
تفوقاً عسكرياً وتقنياً كبيراً
دعماً غربياً واسعاً
لكنها تواجه في المقابل:
استنزافاً عسكرياً
عزلة سياسية متزايدة
أزمة داخلية عميقة
وبالتالي قد تخرج إسرائيل من هذه المرحلة:
قوية عسكرياً
لكن أضعف سياسياً واستراتيجياً مما كانت عليه قبلها.

ثالثاً: ما وزن إيران بعد المعركة؟
إيران تعد أحد المستفيدين الاستراتيجيين من الفوضى الإقليمية خلال العقود الماضية.
وقد نجحت في بناء:
شبكة نفوذ إقليمية
قوة صاروخية كبيرة
حضور سياسي في عدة دول
لكن التحدي الحقيقي أمامها هو:
العقوبات الاقتصادية
الضغط الدولي
احتمالات المواجهة المباشرة
بعد المعركة قد تصبح إيران:
قوة إقليمية كبرى بالفعل
لكن
محاصرة سياسياً واقتصادياً.

رابعاً: ما وزن المحور السني (باكستان – تركيا – مصر – السعودية)؟
إذا نظرنا إلى هذه الدول مجتمعة سنجد أنها تمتلك عناصر قوة هائلة:
السكان
أكثر من 500 مليون نسمة تقريباً.
القوة العسكرية
تشمل:
جيوشاً كبيرة
قدرات صاروخية
قوة نووية (باكستان)
الموقع الجغرافي
هذه الدول تتحكم عملياً في أهم ممرات العالم:
قناة السويس
البوسفور
البحر الأحمر
الخليج
ولهذا فإن أي تنسيق استراتيجي بينها قد يخلق قوة إقليمية هائلة.
لكن المشكلة التاريخية كانت دائماً:
الخلافات السياسية
تضارب المصالح
التدخلات الدولية
فإذا تجاوزت هذه العقبات، قد يظهر محور إسلامي إقليمي قوي لأول مرة منذ قرون.

خامساً: ما مصير الدول الصغيرة؟
(الخليج – الأردن – سوريا – العراق)
هذه الدول غالباً ما تكون ساحات التوازنات الكبرى.
دول الخليج
ستبقى لاعباً اقتصادياً مهماً بسبب:
النفط والغاز
صناديق الاستثمار الضخمة
لكنها ستحتاج دائماً إلى مظلة أمنية إقليمية أو دولية.
الأردن
الأردن دولة محورية جغرافياً، لكنه يعتمد على:
التوازن السياسي
العلاقات الدولية
وسيبقى غالباً دولة توازن بين القوى الكبرى.
سوريا والعراق
هاتان الدولتان هما مفاتيح الجغرافيا السياسية في المشرق.
ومن يملك النفوذ فيهما يمتلك تأثيراً كبيراً في المنطقة.
لكن استقرارهما سيظل مرتبطاً بمدى انتهاء الصراع الدولي على الأرض فيهما.

سادساً: كيف سيبدو الإقليم الجديد؟
الشرق الأوسط القادم لن يشبه الشرق الأوسط الذي عرفناه طوال القرن العشرين.
قد نشهد:
تراجع الهيمنة الأمريكية المطلقة
صعود قوى إقليمية متعددة
تحالفات جديدة غير تقليدية
دور أكبر لآسيا في المنطقة
بمعنى آخر:
نظام إقليمي متعدد القوى بدل نظام الهيمنة الواحدة.

سابعاً: كيف سيبدو العالم الجديد؟
العالم يتجه بوضوح نحو نظام متعدد الأقطاب.
القوى الكبرى القادمة قد تكون:
الولايات المتحدة
الصين
روسيا
الاتحاد الأوروبي
الهند
وقد تلعب قوى إقليمية أدواراً مؤثرة مثل:
تركيا
إيران
السعودية
البرازيل
وبذلك ننتقل من عالم تديره قوة واحدة إلى عالم تتشارك فيه عدة قوى النفوذ.

الخلاصة
ما يحدث اليوم ليس مجرد حرب عابرة، بل هو مخاض تاريخي لولادة نظام جديد.
فالشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة مختلفة تماماً:
خرائط نفوذ جديدة
تحالفات مختلفة
موازين قوة متغيرة
لكن الحقيقة التي يعلمها المؤرخون جيداً هي أن نتائج الحروب الكبرى لا تُعرف أثناء القتال، بل بعد أن يهدأ الدخان.
وحين يهدأ هذا الدخان…
قد نكتشف أن العالم الذي عرفناه طوال عقود لم يعد موجوداً.
وأن شرقاً أوسط جديداً…
قد بدأ بالفعل في التشكل.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions