د. شاهر شطناوي يكتب: الضمان الاجتماعي: نحو إصلاح يحمي الطبقة الوسطى ويضمن الاستدامة

د. شاهر شطناوي يكتب: الضمان الاجتماعي: نحو إصلاح يحمي الطبقة الوسطى ويضمن الاستدامة
نبأ الأردن -
كيف نعالج مشكلة رفع سن التقاعد؟
.
ليس من المبالغة القول إن ملف المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فالدراسات الإكتوارية تشير إلى اقتراب نقطة التعادل بين الاشتراكات والرواتب التقاعدية، ما يضعنا أمام سؤال مصيري: هل نلجأ إلى الحلول السهلة برفع سن التقاعد، أم نمتلك الجرأة لإعادة هندسة النظام من جذوره؟
.
إنني أرفض منطق ترحيل الأزمات عبر رفع سن التقاعد إلى 65 عاما، إن هذا الخيار وإن منح الصندوق بضع سنوات إضافية، فإنه يحمّل المجتمع كلفة سياسية واجتماعية باهظة، ويمسّ الاستقرار النفسي للطبقة الوسطى التي ترى في سن الستين حقًا مكتسبا لا يجوز المساس به.
.
ما أطرحه اليوم يمثل حسب تقديري إعادة توزيع عادلة للمخاطر والأعباء، وليس من باب الصدام مع الواقع المالي، وذلك وفق ثلاث ركائز واضحة:
.
أولاً: العدالة الهيكلية (كسر ظاهرة تسمين الرواتب)
.
إن النظام القائم يحتسب الراتب التقاعدي على أساس آخر 36، ما يسمح عمليا بتضخيم الراتب في السنوات الأخيرة، وهذه ثغرة قانونية ومكلفة ماليًا.
.
إن الإصلاح الذي أطرحه بسيط في فكرته عميق في أثره، يستند إلى احتساب الراتب على أساس كامل المسيرة المهنية لا على السنوات الأخيرة فقط، مع إدخال معاملات تضخم ترفع القيمة الاسمية للأجور القديمة إلى قيمتها الشرائية الحالية؛ وبهذا نحفظ حقوق من بدأ براتب متدنٍ قبل 20 عاما، ونمنع القفزات المصطنعة في نهاية الخدمة، كما أننا نربط الراتب التقاعدي بتاريخ العمل الحقيقي لا بلحظة النهاية فقط.
إن هذا التحول ينقل الضمان من نظام يكافئ اللحظة الأخيرة إلى نظام يكافئ المسيرة المهنية كاملة.
.
ثانيًا: حماية الطبقة الوسطى
.
لم تكن الطبقة الوسطى عبئًا على الصندوق في يوم من الأيام، بل هي التي تشكل عموده الفقري، لذلك فإن مقترحي يقوم على، تثبيت سن التقاعد عند 60 للرجل و55 للمرأة، والإبقاء على نسب منفعة عادلة للخدمة الطويلة، وضمان حد أدنى كريم للزيادات العائلية بحدود دنيا وعليا واضحة، كما أن النتيجة المتوقعة من هذا المقترح بالاستناد إلى الدراسة الاكتوارية التي أعدتها منظمة العمل الدولية لعام 2025 ووفق أسس علمية اكتوارية تحقق نسبة استبدال متوازنة تضمن حياة كريمة دون إنهاك الصندوق.
.
ثالثًا: التضامن التصاعدي… لا المساس بالحقوق الصغيرة
.
إن الاستدامة لا تتحقق عبر اقتطاع من محدودي الدخل، إذ يجب تفعيل مبدأ التكافل الاجتماعي الحقيقي، ولهذا أقترح ضريبة استدامة تصاعدية على الرواتب التقاعدية المرتفعة فقط:
5% على الرواتب من 1500–1999 دينار.
7% من 2000–2499 دينار.
10% لما فوق ذلك.
إن هذه الضريبة تعتبر مساهمة تضامنية لضمان بقاء المنظومة للجميع، فمن غير المقبول أن يتحمل محدودو الدخل كلفة إنقاذ الصندوق، بينما تبقى الرواتب العليا خارج أي مساهمة إضافية.
.
رابعًا: ضبط التقاعد المبكر دون إلغائه
.
إن التقاعد المبكر شئنا أم أبينا وحسب الأسس العلمية والرياضية هو الثقب الأسود للأنظمة التقاعدية؛ لكن إغلاقه بشكل كلي قرار غير اجتماعي، والحل الذي أطرحه يقوم على:
اشتراط 300 اشتراك فعلي، وخصم متدرج يبدأ بـ 7.5% عند سن 55 ويتناقص كل عام بمعدل 1.5% وصولا إلى 0% عند سن الستين، إذ علينا أن نعي وندرك أن هذه المعادلة تجعل القرار المالي مدروسًا لا عاطفيًا، وبهذا نحقق توازنًا بين الحق الفردي والاستدامة الجماعية.
.
خامسًا: الأثر الإكتواري
.
إن إعادة الهيكلة المقترحة تقدم وفرًا ماليًا آنيًا من خلال الإصلاحات المقترحة، كما أنها تعيد جدولة المخاطر على مدى عقود؛ ووفق التقديرات الأولية، فإن:
نقطة نفاد الاحتياطيات تُدفع إلى ما بعد عام 2100 تقريبا، على عكس المقترح الذي قدمته الحكومة والذي يدفع نقطة التعادل الصفرية إلى 2054.
.
وبهذا المقترح يمكننا رفع القوة الشرائية لأصحاب الرواتب المتدنية، ونواجه الضغط السياسي لرفع سن التقاعد، وهذا هو جوهر الإصلاح الحقيقي؛ استدامة مالية دون اضطراب اجتماعي.
.
إن الضمان الاجتماعي عقد اجتماعي بين الدولة والمواطن؛ وأي تعديل يجب أن يحترم هذا العقد، لا أن يخلّ به.
.
وأقولها بوضوح: لست ضد الإصلاح، ولكنني ضد أن يكون الإصلاح على حساب الطبقة الوسطى، ونحن اليوم أمام تحدٍ كبير، لا يمكننا وضعه أمام خيار بين الانهيار أو رفع سن التقاعد؛ هناك طريق ثالث؛ طريق العدالة الهيكلية، والتضامن التصاعدي، وحماية الطبقة الوسطى، فالإصلاح قرار أخلاقي بقدر ما هو قرار مالي، وإذا كنا نريد صندوق ضمان يبقى صمام أمان للوطن، فعلينا أن نعيد بناء معادلته على أساس من استفاد أكثر، يساهم أكثر؛ ومن كان دخله أقل، يُحمى أكثر.
.
هذا هو الضمان الذي نريده: ضمان الكرامة، وضمان الاستدامة، وضمان المستقبل.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions