مدحت الخطيب يكتب: الشعوب تدفع ثمن خرائط يُعاد رسمها بالنار
نبأ الأردن -
ما يجري اليوم لم يعد اشتباك رسائل ولا استعراض عضلات عبر وكلاء، فالمشهد تغيّر، وسقف الصراع الممتد إعلاميا لعشرات السنوات، ارتفع إلى مستوى المواجهة الحقيقية المباشرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران ومن تبقى في فلكها من جهة أخرى، لم يعد السؤال: من يضغط أكثر؟ بل من يستطيع الصمود أطول؟
بعد الهجوم الواسع على الداخل الإيراني، جاء الرد الإيراني متسقًا مع الخطاب الذي سبق المعركة. لم تكتفِ طهران بالتلويح، بل وسّعت دائرة النار نحو القواعد الأمريكية في الإقليم، وأمطرت إسرائيل بعشرات الصواريخ، في رسالة مزدوجة: القدرة قائمة، والإرادة حاضرة، وأن كان هنالك غرق لنا سنغرق جميعاً، لم يعد الاشتباك محصورًا بملف نووي أو صواريخ باليستية؛ لقد تحوّل إلى صراع على بقاء النظام نفسه.
القيادة الإيرانية تدرك أن المعركة، في جوهرها، تستهدف بنية النظام لا أدواته، لذلك لن تتعامل معها كجولة عسكرية عابرة، بل كمعركة وجود للنظام ، وحين يشعر أي نظام أن وجوده على المحك، تتغير قواعد الحسابات: تتقدم عقيدة «البقاء أولًا»، وتتراجع الحسابات التكتيكية أمام ضرورات الردع الشامل.
في المقابل، يدرك الطرف الآخر أن إسقاط نظام بحجم إيران ليس عملية جراحية نظيفة، بل زلزال إقليمي تتداعى له خرائط النفوذ وممرات الطاقة وتوازنات الردع.
اليوم المنطقة بأسرها تقف على حافة إعادة تشكيل قاسية، حيث كل ضربة تحمل احتمال توسيع رقعة النار، وكل رد قد يستدعي ردًا أكبر
لسنا أمام حرب أعلام ولا مناوشات محدودة، بل أمام اختبار إرادات مفتوح. الأطراف حدّدت أهدافها، ورفعت سقوفها، وأعلنت – صراحة أو ضمنًا – أنها لا تريد الخروج مهزومة. وفي مثل هذه الحروب، لا يُقاس النصر بعدد الصواريخ فقط، بل بقدرة كل طرف على تحمّل الكلفة السياسية والاقتصادية والعسكرية إلى آخر الشوط.
المنطقة تدخل مرحلة مختلفة؛ مرحلة لا يكفي فيها امتلاك السلاح، بل يتطلب فيها امتلاك النفس الطويل، وإدارة الصراع دون الانزلاق إلى فوضى شاملة. أما الشعوب، فهي الحلقة الأضعف في معادلات الكبار، تدفع ثمن الخرائط حين تُعاد رسمها بالنار..
























