د. أمجد الفاهوم يكتب: القيم لا تتغير مع الزمن
نبأ الأردن -
في شهر رمضان من كل عام، يتبدّل إيقاع الحياة في المجتمع بصورة لافتة؛ تهدأ الوتيرة في بعض الجوانب، وتتسارع في جوانب أخرى، وتتقدّم القيم إلى الواجهة خطابًا وشعارًا وسلوكًا. هذه اللحظة الموسمية تمنحنا فرصة تأملية نادرة لقراءة تحوّل القيم في زمن تتغير فيه الحياة بوتيرة تفوق قدرة الوعي الجمعي على الاستيعاب. فالتغير اليوم لم يعد تراكميًا هادئًا، بل صار متلاحقًا، مدفوعًا بالإعلام الرقمي، وضغط المقارنة الاجتماعية، وأنماط الاستهلاك السريعة. ومن هنا تبرز أهمية هذا الطرح؛ لأنه لا يكتفي برصد التحول، بل يسعى إلى فهم آلياته وآثاره، واستشراف سبل توجيهه بدل الاكتفاء بالتحسّر عليه.
تشير الدراسات أن القيم لا تتلاشى فجأة، بل تتآكل تدريجيًا عندما يتقدم الإيقاع الاجتماعي على الوعي الجمعي. فحين تتغير أنماط العيش والعمل والتواصل بسرعة، دون أن يصاحبها نقاش مجتمعي عميق، تتحول القيم من ممارسة يومية إلى عناوين خطابية. يصبح الحديث عنها تعويضًا عن غيابها، لا دليلًا على رسوخها. وفي شهر رمضان تتجلى هذه المفارقة بوضوح؛ إذ ترتفع شعارات التكافل والرحمة وضبط النفس، غير أن ضغوط الاستهلاك والمظاهر الاجتماعية قد تسحب البوصلة بعيدًا عن جوهر المعنى.
تبرز مبررات هذا التحليل في واقع يشهد نمطا اقتصاديًا وتكنولوجيًا غير متوازن. فالقيم بطبيعتها تحتاج إلى زمن لتُفهم وتُمارَس، ولا تستجيب للفرض السريع أو الاستدعاء العاطفي الموسمي. وحين يُختزل النجاح في الصورة، أو يُقاس الحضور الاجتماعي بقدرة الفرد على مجاراة الإيقاع العام، تتراجع قيم تتطلب صبرًا ومثابرة، مثل التضامن، والتواضع، والمسؤولية المشتركة. وفي رمضان، تتجاور صورتان: موائد إفطار عامرة تُجسّد الكرم الأصيل، مقابل مظاهر إسراف تُضعف المعنى الروحي للصوم.
منهجيًا، تعتمد هذه القراءة على مقاربة تحليلية تربط بين التحول الاجتماعي والسلوك الفردي، دون إصدار أحكام أخلاقية مسبقة. فهي لا تدين التغير لذاته، ولا تمجّد الماضي بوصفه زمنًا مثاليًا، بل تركز على الفجوة بين سرعة التحول وقدرة المجتمع على إعادة تعريف قيمه بلغة معاصرة. كما تستأنس بتجارب مجتمعات متعددة واجهت مسارا مشابهًا، فنجح بعضها في دمج قيمه الأساسية مع متطلبات الحداثة عبر التعليم الواعي، والإعلام المسؤول، والحوار العام المستمر.
في السياق الأردني، يتجلّى التحول في تفاصيل الحياة اليومي منها أنماط الاستهلاك الرمضاني، طبيعة اللقاءات الأسرية، تعريف النجاح الاجتماعي، وحدود الخصوصية في الفضاء الرقمي. وهنا نلاحظ بأن منظومة القيم لا تزال حاضرة بقوة في الوجدان العام، غير أن ممارستها تواجه ضغط الإيقاع السريع ومتطلبات الصورة العامة. ومن الإيجابي أن رمضان يعيد إحياء ثقافة التراحم وصلة الرحم والعمل التطوعي، ويعزز روح المبادرة المجتمعية. إلا أن السلبية تكمن حين يتحول الشهر إلى سباق استهلاكي أو استعراض اجتماعي، فيفقد بعده التربوي العميق.
عربيًا، تتشابه الصورة في مجتمعات عاشت تحولات اقتصادية وثقافية متسارعة. فالقيم التقليدية، حين لا تُعاد صياغتها بلغة العصر، تفقد قدرتها على التأثير في الأجيال الجديدة. وفي المقابل، أثبتت تجارب متعددة أن إدماج التربية المدنية، وتعزيز ثقافة الحوار، وربط القيم بسلوك عملي يومي، يسهم في حماية التماسك الاجتماعي. وتظهر هنا قيمة رمضان بوصفه مختبرًا اجتماعيًا سنويًا يعيد اختبار العلاقة بين الشعارات والممارسات.
أما دوليًا، فقد واجهت مجتمعات عديدة تسارعًا قيميًا مماثلًا، فاستثمرت في ترسيخ الوعي الأخلاقي عبر المناهج التعليمية، وبرامج المسؤولية المجتمعية، وتشجيع العمل التطوعي المنتظم. تؤكد هذه الخبرات أن القيم لا تُحمى بالخطاب وحده، بل بترجمتها إلى سياسات تعليمية وثقافية مستدامة. ومن منظور استشرافي، فإن تحويل المواسم الدينية إلى منصات دائمة للتربية القيمية قد يشكل مدخلًا عمليًا لإعادة التوازن.
تقود هذه القراءة المتأنية إلى جملة نتائج. أولها أن تسارع الإيقاع الاجتماعي دون وعي يخلق فراغًا قيميًا ينعكس توترًا في العلاقات الفردية والأسرية. ثانيها أن القيم التي لا تُمارَس تفقد قدرتها على الضبط الذاتي والاجتماعي. ثالثها أن إعادة التوازن تتطلب تكامل أدوار الأسرة، والمؤسسة التعليمية، والإعلام، وصنّاع السياسات. ورابعها أن المواسم الروحية، وفي مقدمتها رمضان، تمثل فرصة استراتيجية لإعادة وصل المعنى بالسلوك.
غير أن هذا المسار يواجه تحديات حقيقية، منها مقاومة النقاش الصريح، والخشية من مساءلة الموروث، والخلط بين التجديد والتفريط. كما يتطلب شجاعة فكرية للاعتراف بأن بعض أساليب عرض القيم لم تعد جاذبة للأجيال الجديدة، وأن التجديد ينبغي أن يطال الوسائل لا الثوابت.
خلاصة القول إن القيم لا تضعف لأن الزمن تغيّر، بل لأنها لم تُمنح المساحة الكافية لتواكب هذا التغير بوعي مؤسسي ومجتمعي. وحين يسبق الإيقاع الاجتماعي الوعي، تختل الموازين، غير أن استعادتها تظل ممكنة متى أُعيدت القيم إلى موضعها الطبيعي من خلال ممارسة يومية راسخة تتجدد في رمضان، وتمتد أثرًا وسلوكًا إلى ما بعده. بذلك يتحول الشهر من محطة عابرة إلى نقطة انطلاق نحو توازن قيمي أكثر نضجًا واستدامة.

























