م صلاح طه عبيدات يكتب : كلُّنا سجناءٌ هنا
نبأ الأردن -
لكنَّ هذا السجن ليس قبوًا مظلمًا ولا غرفةً مغلقة، بل متاهةٌ من طبقاتٍ تراكمت داخلنا عبر السنين.
شيءٌ يشبه قفصًا شفافًا، نراه ولا نراه، نحسُّه ولا نعترف به، ونمشي داخله وكأن الحياة خارجه ليست مخلوقة لنا.
سجنٌ من صنع أيدينا…
من تردُّدٍ ظننّاه حكمة، ومن خوفٍ بالغٍ سمّيناه واقعية، ومن أحلامٍ طويناها في أدراج الروح حتى صدّقنا أنها لا تخصّنا.
نسجن أنفسنا في رتابة الأيام، في الكلمات المكسورة التي لم نقلها، في الخطوات التي لم نجرؤ على اتخاذها، وفي الفرص التي مرّت قربنا فتركناها تمضي لأننا لم نتخيّل أنفسنا أهلًا لها.
لكن…
ما قيمة السجن إن لم يوقظ فينا رغبة الصعود؟
وما معنى القيود إن لم توقظ في الروح إرادة الكسر والتحرّر؟
إنّ في أعماق كلٍّ منّا شرارةً صغيرة، قد تخبو لكنها لا تموت، تنتظر لحظة صدق واحدة لتشتعل.
شرارة التغيير… تلك التي تجعلنا ندرك أنَّ كلَّ بابٍ مغلقٍ ليس سوى اختبارٍ لِما تبقّى فينا من شجاعة، وأنّ كلَّ حلمٍ بعيد ما هو إلا مسافة نقطعها بخطوةٍ أولى فقط.
التغيير ليس معركةً مع العالم بقدر ما هو مصالحةٌ مع الذات.
هو أن نؤمن أننا نستحقُّ حياةً أوسع، وأنّ ما نحلم به ليس رفاهية، بل نداءٌ داخليّ يرشدنا إلى صورةٍ أجمل لنا.
التغيير هو أن نعيد رسم دورنا في الحياة، أن نتحرّر من عادةٍ، من خوفٍ، من قناعةٍ بالية، أن نريح أرواحنا من ثقل التردّد، وأن نؤمن أن بإمكاننا صناعة أثرٍ مضيء مهما بدا الضوء ضعيفًا في البداية.
ولعلّ أجمل ما في إرادة التغيير أنها ليست مجرد قرار، بل طريقٌ يتّسع تدريجيًا:
تبدأه بفكرة، تدعمه بخطوة، ترفعه بمحاولة، ثم تتفاجأ بأن العالم يتغيّر من حولك لأنك تغيّرت من داخلك أوّلًا.
فتنضج أحلامك، وتتّسع تطلعاتك، وتتشكل ملامح حياةٍ لم تكن تراها يومًا ممكنة.
وحينها فقط ندرك الحقيقة التي ظلّت تصرخ فينا بصمت:
باب السجن لم يكن موصدًا يومًا،
والنوافذ لم تكن محجوبة،
والضوء لم يكن بعيدًا…
كنا نحن من أغلق عينيه عنه، ونحن أيضًا من سيفتحهما ليضيء الطريق.
فالحرية تبدأ عندما نختارها،
والفرق المشرق يُصنَع عندما نتحرّك نحوه،
والحياة الأفضل تُبنى حين نؤمن أننا قادرون على كتابتها من جديد…
بدايةً من الداخل، حيث تبدأ كل الحكايات.

























