عبدالله بني عيسى يكتب : كسر الثقة وحديث “الدفعة الواحدة”
نبأ الأردن -
ما يحدث اليوم من جدل حول تعديلات قانون الضمان الاجتماعي يتجاوز كونه نقاشاً مالياً حول ديمومة مؤسسة، على أهمية هذا الاعتبار. نحن أمام حالة قلق عام أصابت المجتمع، وهذا أهم ما يُقرأ في المشهد.
خلال العامين الأخيرين، بدأ الأردنيون يشعرون بأن ثمة تحسناً ما يلوح في الأفق الاقتصادي. صحيح أن هذا التحسن بقي في حدود الأرقام المعلنة في البيانات الرسمية، ولم ينعكس فعلياً على حياة الناس، لكن الأردني بطبعه صبور؛ إذا شعر بوجود أمل قادم، ينتظر. وكنتُ شخصياً من المتفائلين بأن السنة الحالية والسنوات المقبلة قد تكون أفضل على الصعيدين المعيشي والاقتصادي، أو على الأقل أقل قسوة مما سبق.
غير أن تعديلات الضمان أعادت فجأة إنتاج حالة عدم اليقين، ومسّت شعوراً كان يتشكل – ولو ببطء – بالأمان على الحاضر ومستقبل الأبناء. وهذه ليست مسألة عابرة، لأن اليأس ليس مجرد إحساس فردي، بل متلازمة اجتماعية تنتج مواقف وسلوكيات تعيد تشكيل علاقة المواطنين ببلادهم واقتصادهم ومستقبلهم.
الخطر لا يكمن في القرار ذاته بقدر ما يكمن في أثره النفسي والاجتماعي. فالدولة، أي دولة، مطالبة بالتقاط مؤشرات الرأي العام القادمة من رادارتها التي يتعين أن تبقى متيقّظة باستمرار، حتى لا تتشكل مناطق هشّة يتسلل إليها الغضب. وهذا واجب مضاعف في إقليم يمور بالصراعات والاضطرابات التي تهدد كل شيء.
صحيح أن مساندة الدولة في مواجهة المخاطر الخارجية واجب وطني لا نقاش فيه، يؤديه الأردنيون دون تردد وفي مختلف الظروف. لكن في المقابل، على الدولة ألا تسمح بتكوّن مساحات قابلة للاهتزاز.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الاقتراب من المعيشة هو أكثر ما يجرح العلاقة بين الشعوب ودولها. وأنا هنا لا أتوقع سيناريوهات غير إيجابية في الأردن لا سمح الله، ولا أذهب إلى التهويل أو التنبؤ بالمشاكل، لكن التحذير واجب من الركون إلى معادلات تبدو مستقرة اليوم وقد تتغير غداً.
أعادت تعديلات الضمان إحياء مرويات كانت متفشية قبل سنوات، ودَفعت كثيرين إلى التفكير بالاغتراب أو الهجرة، ورأينا بعض أبنائنا يغامرون في طرق شديدة الخطورة بحثاً عن حياة أفضل. الأخطر من ذلك هو ما تُحدثه هذه الحالة من اهتزاز في الثقة بالاقتصاد نفسه، وبالاستقرار المالي للبلاد.
وهنا تبرز مفارقة مؤلمة: نذهب لمعالجة خلل مالي متوقَّع، فنقع في خلل أعمق وأكثر خطورة. لأن الثقة هي الأساس الذي يجعل الناس يرون في بلادهم مقراً ومستقراً ومكاناً صالحاً للحياة والاستثمار. وغياب هذه الثقة لا يبعد المستثمرين وحدهم، بل يدفع حتى الأردنيين المغتربين، الراغبين في العودة، إلى التردد، وربما إلى اختيار الهجرة الدائمة أو في أقل تقدير إلى شراء عقارات في تركيا ومصر وغيرها بدل شراء عقارات في الاردن.
اليوم، لا يكاد يخلو مجلس من حديث "الدفعة الواحدة”. لم يعد كثير من الشباب متحمسين للانتساب إلى الضمان، فيما يفكر مغتربون كثر جدياً في التوقف عن الاشتراك الاختياري. وهنا يبرز سؤال مشروع لا ينبغي القفز عنه: هل المطلوب أن يتحول الضمان إلى مجرد بنك تمويل، لا يشعر فيه المواطن العادي أنه صاحب الحق الأول، ولا أن يُدار باعتباره مظلة أمان اجتماعي تقوم على عقد ثقة واضح بين الدولة والمشتركين؟
لا أحد يريد لمؤسسة الضمان أن تواجه مشكلات مستقبلية أو أن تنهار، لكن في المقابل لا نريد إنقاذ مؤسسة على حساب اهتزازات أخرى قد تكون أشد خطراً. المطلوب ليس إنقاذ صندوق فحسب، بل حماية منظومة الثقة بين الدولة والمجتمع.
والسؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس: كيف نحمي الضمان؟ بل: كيف نحمي الثقة ونحن نُجري إصلاحات تمس "الضمان”؟
فالتقاعد المبكر، الذي يُشار إليه اليوم كأحد جذور المشكلة، بُني في الأصل على دراسة اكتوارية أيضاً وتحمّس لها المتحسمون في حينه. ومع ذلك، قاد هذا التقاعد أو ربما طريقة تطبيقه لاحقا إلى نتائج لم تكن محسوبة على هذا النحو. فمن يضمن أن لا تقود الدراسة الحالية، إن غابت عنها الحساسية الاجتماعية والنفسية، إلى نتائج عكسية مشابهة؟
الإصلاح الذي يُنجز على حساب الطمأنينة العامة، قد ينجح حسابياً ومرحلياً… لكنه يخسر مجتمعياً وعلى المدى البعيد، وهذه كلفة لا تُقاس بالأرقام.

























