وائل منسي يكتب: الهرم المقلوب: من مركزية السلطة إلى مركزية المواطن في إعادة تعريف القيادة المؤسسية
نبأ الأردن -
يعكس الهيكل التنظيمي التقليدي في الشركات والمؤسسات، بما فيها مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب السياسية، منطقًا هرميًا كلاسيكيًا يتموضع فيه مجلس الإدارة أو القيادة العليا في قمة الهرم، تليها الإدارة الوسطى، ثم الكوادر التنفيذية ذات الاتصال المباشر بالمستفيدين، بينما يقبع "العميل” أو المستفيد والذي يكون في حالة الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني هو المواطن في قاعدة هذا البناء التنظيمي. هذا التصور يعكس فلسفة إدارية تركز على السلطة والتسلسل الإداري أكثر من تركيزها على القيمة المضافة للمستفيد النهائي.
غير أن التحولات الحديثة في الفكر الإداري، بدءًا من نظرية سلسلة القيمة لمايكل بورتر، مرورًا بمفهوم الإدارة المرتكزة على العميل (Customer-Centricity)، وصولًا إلى نموذج الهرم المقلوب في القيادة الخادمة (Servant Leadership)، أعادت تعريف موقع المستفيد باعتباره نقطة الارتكاز في أي مؤسسة تسعى للاستدامة والأثر. فالقيمة الحقيقية لا تُنتَج في مكاتب الإدارة العليا، بل في لحظة التفاعل المباشر بين مقدم الخدمة والمستفيد. ومن هنا يصبح من المنطقي إعادة هندسة الهرم التنظيمي ليغدو مقلوبًا، بحيث يتربع المستفيد على قمته بوصفه الغاية النهائية لكل السياسات والعمليات.
في هذا النموذج المقلوب، يحتل المواطن في سياق الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، موقع الصدارة بوصفه مصدر الشرعية والتمويل الاجتماعي والرمزي.
يليه الموظفون أو المتطوعون ( المجلس العام ) الذين يتعاملون معه مباشرة، باعتبارهم حلقة إنتاج القيمة العامة (Public Value) وفقًا لأدبيات الإدارة العامة الحديثة. ثم تأتي الإدارة الوسطى كجهة تمكين وتنسيق، بينما تتحول الإدارة العليا (المكتب التنفيذي أو السياسي) من سلطة رقابية مركزية إلى منصة دعم استراتيجي، مهمتها الأساسية إزالة العوائق، وضمان الجودة، وتوفير الموارد، وبناء الشراكات، وتعزيز الحوكمة الرشيدة.
هذا التحول يتقاطع مع مبادئ إعادة هندسة العمليات (Business Process Reengineering) التي تدعو إلى تصميم الإجراءات انطلاقًا من تجربة المستفيد وهو المواطن لا من راحة الجهاز الإداري، كما ينسجم مع منهجيات إدارة الجودة الشاملة (TQM) التي تعتبر رضا العميل مؤشراً حاكمًا للأداء المؤسسي.
كذلك يرتبط بمفهوم التمكين المؤسسي (Empowerment) الذي يمنح الخطوط الأمامية صلاحيات مرنة ومحكومة لاتخاذ قرارات فورية تخدم المستفيد بكفاءة، بدل العودة المستمرة إلى مستويات عليا تعطل الاستجابة.
أما على مستوى منظومة القيم، فإن الانتقال إلى الهرم المقلوب يستدعي إعادة تعريف الثقافة التنظيمية باتجاه المساءلة، والشفافية، والابتكار، وسرعة الاستجابة، والتركيز على الأثر لا الإجراءات. فالمؤسسة التي تضع المواطن في قمة هرمها التنظيمي تعيد توجيه مؤشرات الأداء من قياس الأنشطة إلى قياس النتائج (Outcome-Based Management)، ومن تقييم الالتزام الشكلي إلى قياس القيمة المتحققة فعليًا في حياة المستفيدين.
وعليه، فإن الإدارة العليا في هذا النموذج لا تفقد مكانتها، بل يعاد تعريف دورها استراتيجيًا؛ فهي الحارس الأمين على الرؤية، والموجه للسياسات، وضامن التوازن بين المرونة والانضباط، وبين الصلاحيات والحوكمة. إنها تتحول من مركز قرار أحادي إلى مركز تمكين مؤسسي، يعمل على خلق بيئة تنظيمية تجعل خدمة المستفيد هي البوصلة الوحيدة لكل قرار.
إن قلب الهرم التنظيمي ليس مجرد تعديل شكلي في الرسم البياني، بل هو تحول فكري وإداري عميق يعكس انتقال المؤسسة من منطق السلطة إلى منطق الخدمة، ومن مركزية القرار إلى لامركزية القيمة، ومن التركيز على الداخل إلى التركيز على الأثر المجتمعي المستدام.
https://www.facebook.com/share/p/1B7hb9qKk8/

























