ميسرالسردية تكتب: بين العصر والمغرب
نبأ الأردن -
كلما سمعت أحدهم يقول جملة "بين العصر والمغرب" يخطر في بالي أغنية سميرة توفيق "بين العصر والمغرب مرت لمة خياله". ذلك أن جملة أو حدثا يمر بك صدفة، يحيي أحداثا توارت في ذاكراتك حتى كاد يطويها النسيان تماما.
بين العصر والمغرب، وعقب غيابه يومين بلياليهن، صدح زامور السيارة أمام الدار. هذا الاختفاء الغامض لم يكن مقصورا عليه وحده، فقد كان من عادات رجال أول، ألا يخبروا زوجاتهم وعائلاتهم إلى أين هم ذاهبون، ولا بمن يلتقون أو يتعاملون، ولا كم يملكون، ولا تحت أي سماء يمضون ويبيتون.
فتح الشوفير الباب الخلفي وانتحى جانبا يدخن، وبدون سؤال أين كان أو ما هذه "البضعة" التي جاءنا بها، طلب إلينا نقل ألواح الزينكو وتنضيدها حيث أشار عليه رجل ثالث المرافق معه. نحن ننقل وهم مقرمزين قبالتنا يشربون قهوة وشاي. يصلنا حضهم فقط: "بساع.. خلصوا يا عيال قبل ما يضم الليل علينا".
صباح اليوم الثاني شرعنا بالعمل. الرجل الخبير يقيس ويُركب، ونحن نناول ونلزم معه الألواح، حتى انتهى العمل بإنجاز غرفة زينكو أقيمت في وسط الحوش. لم ندر ما الهدف منها، بالتأكيد ليست للسكنى ولا لتخزين الغلال، فلدينا ما يكفي وزيادة عن ذلك من الغرف الكثيرة.
قال الرجل الخبير لجدي قبل أن يغادر: "أصحى حدا يخمك.. لا تقبل بأقل من ١٠٠ دينار حق البراكية".... . إذن هذه هي البراكية التي نسمع عنها!! وهذا استثمار وتجارة جديدة. ومن هنا بدأ مشوار الأكتوار.
ويوما بعد يوم، صار جدي كلما جاءه تاجر أو مرّاق طريق، يأخذه في جولة على البراكية، يشرح له مميزاتها ومتانتها: لا تُسرب مياه المطر، دافئة، ولا، ولا.. الخ... ويدير ظهره.. بعد كلمة "زينة.. زينة" بدون رجعة... نحاول اللعب داخلها، ولكن سرعان ما نغادرها، باردة في الشتاء، لاهبة في الصيف.. حتى دجاجاتنا كدن يفرطن من الحر فيها، فنقلناهن إلى قن خارجها.
.. وبعد مرور عام تقريبا، دب خلاف عائلي بسبب هذا الاستثمار الخائب. قالت له الجدة: "يا رجل اقلع هالبلوة .. اللي صارت مثل الثالوث بوجه العروس".
حقيقة، معها حق. لقد فصلت "البراكية" التي تركزت في منتصف الحوش باقي أركان بيتنا بعضها عن بعض، بل باتت تحجب عنا مراقبة غرف تخزين القمح والشعير والتبن، وخاصة في الليل.
قلب المشروع، اشترى بلوك وإشمنتو ورملا وقرر تدوير الاستثمار، بعد أن استرشد برأي صديق نصحه ببناء خان واستخدام الزينكو في تسقيفه. وذلك ما تم في مدة وجيزة، فقام في طرف الكرم خان يطارد به الخيال. ومرة أخرى واجهتنا مشكلة مستجدة.. ببساطة لا ندري بماذا نستخدم الخان الجديد، فإن كان يأمل ببيع البراكية البائرة سابقا، فهذا ما لا يباع ولا يُستأجر... ودخلنا في "اكتوارية ثالثة"... طوط..طوط.. بيب.. ماااع.. ميع.. اشترى "معزا" كي لا يظل الخان خاويا تسفي به الريح. مرت أيام تلو أيام.. شجار تلو شجار.. اسقوا المعز.. سكروا الباب على المعز.. تحول نهارنا إلى مناكفات وإضرابات تصل ذروتها وقت العصر.. نحن كأطفال نريد متابعة أفلام الكرتون، وهو يريد أن نُخرج "الثروة" لتسرح وتستفلي في المحاصيد. ويعرف جيدا أنه لا هو، ولا نحن، نتقن أو نطيق مهنة السراحة... والجميل، رحمه الله، أن حكمه يشبه حكم دول العالم العربي الديمقراطية، "ديموكتاتوري" بامتياز، يتركنا نقول ما نريد، نعبر، نسخط، نرفض، ونهاية الأمر ننفذ مثل "البساس" أرادته بلا زيادة أو نقصان.
لم يكن باليد حيلة غير الدعاء. كلما أُجبر أحدنا لتنفيذ مهمة، دعا بكل ما سمعه من أدعية تختص بالماعز.. إطحيّل.. فشه.... أما ما زاد في الطنبور طنة.. فهو غلبة "استعارة" تيس أحد الجيران فترة تزاوج المعز.. نركض وراءه من حائط إلى حائط.. ناهيك عن رائحته الكريهة التي "تتعشق" بالثياب.... مر وقت، وبقدرة قادر بدأ مرض غامض معدي يصيب ثروتنا التي استثمر فيها كل مصرياته.. اركض للدكان.. هات قنينة بيبسي واسق العنز الحمرا.... إربط خيط أحمر في ذنب الغزلانية.. ذوبوا دواء البيطرة في ماء الشرب ... غز إبر.. طاخ.. طيخ.. لا فائدة.. افزعوا.. شيلوا.. جرّوا.. إرّموا بالخرابة... فاحت الرائحة النتنة.. بالكاد بعنا خمس جداية فقط... فرغ الخان الخائب... صب كازا وشحط عود كبريت. وقفنا بجانبه ننظر إلى مشهد النار وهي تلتهم الجثث النافقة، .. و"كتار" و"شواط" ودخان "دراساته الاكتوارية" الفاشلة يملأ الجو بين العصر والمغرب.. حيث بدأنا ببراكية وانتهينا في خرابة...

























