شيرين قسوس تكتب: فساد مشرعن برسالة شكر
نبأ الأردن -
في بلادٍ تُدار فيها الأخطاء كما تُدار العلاقات العامة، يصبح الفشل حدثاً عابراً لا يستحق أكثر من بيانٍ منمّق. تسقط القرارات الثقيلة على رؤوس الناس، تتعثر القطاعات، تتراكم الخسائر، ثم يخرج علينا خبر "إعفاء” المسؤول مصحوباً بعبارات الثناء والتقدير، وكأن ما جرى كان تجربةً تعليمية ناجحة لا إخفاقاً مكلفاً. يُغلق الستار سريعاً، لا لأن الحقيقة انكشفت، بل لأن المطلوب هو إطفاء الضوء قبل أن تتضح الصورة.
في بلدانٍ اعتادت تلميع الإخفاق، يتحوّل الخطأ الفادح إلى "إنجازٍ إداري” يُختتم بباقة وردٍ ورسالة شكر. مسؤولٌ يتسبب بضررٍ جسيم، يربك مؤسسات، يهدر أموالاً، أو يترك المواطنين يدفعون ثمن قراراته المرتجلة، ثم نسمع البيان الرسمي: "تُثمّن الدولة جهوده الكبيرة وتقدّر عطاءه”. أي عطاء.. وأي تقدير؟! كأن الفشل صار مهارة، وكأن الإضرار بالمصلحة العامة بطولة تستحق التصفيق.
في هذه البيئات، لا يُنظر إلى المنصب على أنه أمانة، بل غنيمة. لا يُفهم على أنه عقد ثقة مع الشعب، بل امتيازٌ محصّن بالشكليات. وحين يقع المحظور، تُقدَّم الإقالة كقربانٍ لامتصاص الغضب، ثم يُطوى الملفّ بعبارات منمّقة. لا اعتراف صريح، لا مساءلة حقيقية، لا محاسبة تردع من بعده. مجرد تبديل كراسٍ… وتستمر المسرحية.
قارنوا ذلك بما يحدث في دولٍ رسّخت ثقافة المسؤولية، مثل اليابان أو ألمانيا أو المملكة المتحدة. هناك، حين يخطئ المسؤول، لا ينتظر قراراً بإقالته ممهوراً بعبارات الامتنان بل يبادر هو إلى الاستقالة. يقف أمام الناس، يقرّ بالتقصير، ويقول بوضوح: أخطأت. ثم يخضع للتحقيق والمساءلة كأي مواطن عادي. لا حصانة أخلاقية ولا درعاً من مجاملات.
الفرق ليس في اللغة، بل في الجوهر. في النموذج الأول، تُحمى الصورة ولو تحطّم المبدأ. في النموذج الثاني، يُحمى المبدأ ولو سقطت الصورة. هناك، المنصب تكليف ثقيل، وأي إخلال به يستوجب الرحيل الطوعي قبل أن يُطلب. أما هنا، فالمنصب درعٌ يُستعمل حتى آخر لحظة، فإذا انكسر، رُمِّم بعبارة "نشكر له جهوده”.
وعندما ننظر إلى الحالة في الأردن، تتضح المفارقة بشكلٍ أكثر حدّة. تحاول الحكومة أن تتبنّى أنظمة حديثة، وتشريعات متطورة، وخطط "إصلاح” تتماشى شكلياً مع ما هو قائم في الدول المتقدمة. عناوين براقة، مصطلحات عصرية، رقمنة، حوكمة، تحديث إداري… لكن السؤال البسيط الذي يفرض نفسه: هل يمكن زرع أنظمة متقدمة في تربةٍ منهكة؟
في الدول المتقدمة، يعيش المواطن بحدٍ معقول من الرفاه والاستقرار. الخدمات الأساسية تعمل، فرص العمل متاحة، والتعليم والصحة ليسا امتيازاً. لذلك حين تُطبَّق أنظمة جديدة، تكون إضافةً على بنية صلبة. أما في واقعٍ يعاني فيه المواطن من ضغوط معيشية خانقة، وتُفرض عليه شتى أنواع الضرائب والرسوم، بينما تتراجع قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والاقتصاد، فإن "التحديث” يبدو كطلاءٍ جديد على جدارٍ متصدّع.
التحضّر لا يُقاس بعدد المنصات الإلكترونية ولا بعدد الخطط الاستراتيجية المعلنة في المؤتمرات الصحفية. التحضّر الحقيقي يبدأ من كرامة المواطن، من شعوره بالأمان الاقتصادي، من ثقته بأن من يخطئ سيُحاسَب، لا أن يُودَّع برسالة شكر. حين يكون الداخل هشّاً ومتآكلاً، يصبح كل مظهر خارجي مجرّد قشرة؛ لامعة نعم، لكنها رقيقة، سرعان ما تنكشف أمام أول اختبار حقيقي.
إن المشكلة ليست في الرغبة بالتحديث، بل في تجاهل الأساس. لا يمكن استيراد نموذج مساءلة من دولةٍ متقدمة دون استيراد ثقافتها في الشفافية وتحمل المسؤولية. ولا يمكن الحديث عن "مواكبة العالم” بينما المواطن يشعر أنه يسابق الغلاء لا التنمية، ويدفع ثمن الأخطاء لا يجني ثمار الإصلاح.
الدولة التي تريد أن تتقدّم حقاً، عليها أن تعالج هشاشتها الداخلية قبل أن تستعرض قشورها الخارجية. عليها أن تعيد تعريف المسؤولية، وأن تجعل المحاسبة قاعدة لا استثناء، وأن تضع رفاه المواطن في قلب أي خطة تحديث. عندها فقط يصبح التطوير جوهراً لا شكلاً، ويصبح المنصب عبئاً أخلاقياً لا مكسباً شخصياً، وتتحول كلمات مثل "الإصلاح” و"التحضر” من شعاراتٍ رنّانة إلى واقعٍ يلمسه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.

























