وليد العريض يكتب: من واشنطن إلى بكين: لعبةُ التوازن التي يتقنها الأوروبيون… ونخسرها نحن
نبأ الأردن -
في السياسة لا توجد صداقات أبدية، بل مصالح دائمة.
هذه الجملة يعرفها الأوروبي قبل أن يتعلم كتابة اسمه
ونحن نرددها في الخطب… ثم نتصرف بعكسها تمامًا.
حين رفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب شعار "أميركا أولًا”، لم يصرخ الأوروبيون ولم يكتبوا بيانات شجب مطولة ولم يعلنوا القطيعة الكبرى.
فعلوا ما هو أخطر: أعادوا الحساب.
قالوا ببساطة:
إذا كانت أميركا أولًا… فأوروبا أولًا كذلك.
وهنا بدأ فنّ التوازن.
أوروبا لا تتمرّد… بل تُفاوض
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يتحدث عن الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي.
لا يعني ذلك الخروج من التحالفات ولا تمزيق حلف شمال الأطلسي،
بل يعني شيئًا واحدًا:
لسنا تابعين لأحد.
توقّع أوروبا اتفاقات اقتصادية واسعة مع الصين
وتحافظ في الوقت نفسه على شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة.
لا حبًّا في الصين
ولا عداءً لأميركا،
بل لأن المصلحة هي الإمام الوحيد في هذه الصلاة السياسية الطويلة.
الأوروبي لا يقول: مع من أكون؟
بل يقول: كيف أستفيد من الجميع؟
الصين ليست قبلة جديدة… بل ورقة ضغط
الصين اليوم قوة اقتصادية هائلة، مصنع العالم، عملاق التكنولوجيا الصاعد.
لكن أوروبا لا تسجد لبكين ولا ترفع صور زعمائها في الساحات.
هي تستخدم الصين كورقة ضغط تجارية في مواجهة واشنطن
وتستخدم واشنطن كورقة ردع أمني في مواجهة موسكو وبكين.
هذا اسمه توازن القوى.
وهذا ما يُربك من يظن أن العالم سوق ولاءات.
أما نحن…
لدينا النفط والغاز والممرات البحرية والأسواق والسكان والموقع الجغرافي الذي يحلم به نصف العالم.
ومع ذلك نتعامل أحيانًا كأننا دولة هامشية تبحث عن شهادة حسن سلوك.
بدل أن نقول: مصالحنا أولًا
نقول: من نُرضي اليوم؟
بدل أن نُلوّح بورقة الطاقة،
نقدّمها هدية.
بدل أن نستثمر في موقعنا بين الشرق والغرب،
نختار محورًا ونعلن العداء للمحور الآخر… ثم نشتكي من العزلة.
السياسة ليست بيعة أبدية.
هي عقد متجدد بشروط واضحة.
هل تخسر أميركا أوروبا؟
الواقع أكثر تعقيدًا من الشعارات.
الولايات المتحدة ما زالت الحليف الأمني الأكبر لأوروبا.
لكن أوروبا تعلّمت من تجربة ترامب درسًا مهمًا:
لا يجوز ربط المصير السياسي والاقتصادي بإرادة انتخابية في دولة أخرى.
لذلك بدأت تنوّع شركاءها.
بدأت تعترض على سياسات أميركية عندما تمس صناعتها.
بدأت تبحث عن بدائل للطاقة والتكنولوجيا.
ليس طلاقًا،
بل مراجعة شروط الزواج.
الدرس الذي لا نريد أن نتعلمه هو أن
أوروبا لا تبيع كرامتها.
ولا ترفع صوتها بلا حساب.
ولا تدخل معركة لا تخدم مصالحها.
هي تقول لا عندما تضرّها السياسات الأميركية.
وتقول نعم عندما تستفيد.
وتوقّع مع الصين عندما تربح.
وتتراجع عندما ترى خطرًا.
القرار عندها وطني،
لا عاطفي
ولا انفعالي
ولا مؤدلج.
الرسالة إلى العرب
لسنا مضطرين لاستبدال واشنطن ببكين.
ولسنا مطالبين بالدخول في مواجهة مجانية مع أحد.
المطلوب فقط: أن نضع المصلحة العربية أولًا.
أن نربط أي تحالف بشروط واضحة.
أن نرفض بيع السيادة مقابل حماية مؤقتة.
أن نتقن لعبة التوازن بدل لعبة الاصطفاف.
العالم يتغير.
القطبية الواحدة تضعف.
الصين تصعد.
أميركا تعيد حساباتها.
أوروبا تستعيد ثقتها بنفسها.
والسؤال الحقيقي ليس:
من ينتصر في هذا الصراع؟
بل:
هل نبقى نحن ساحة صراع… أم نصبح لاعبًا فيه؟
في السياسة،
من لا يُوازن يُبتز.
ومن لا يفاوض يُملى عليه.
ومن لا يحفظ كرامته… يدفع ثمنها مضاعفًا.























