م.صلاح طه عبيدات يكتب: بوصلة السلطة والثقة بين صمتِ المؤسسات وصوتِ الشارع
نبأ الأردن -
حين يبهت صوتُ المؤسسات، ويغدو صدى البرلمان والأحزاب والنقابات مجرد همسٍ في غرفٍ مغلقة، تنفتحُ مساحةٌ واسعة لنبض الشارع كي يتحوّل إلى بوصلةٍ بديلة… وربما إلى سلطةٍ غير مكتوبة.
كأن الدولة، أي دولة، حين تضعفُ فيها القنوات الطبيعية للتعبير، تُجبَر على الاستماع إلى الطريق؛ إلى الخطى التي تدوس الإسفلت غضبًا، وإلى الوجوه التي لا تتزيّن بالخطابات بل بالهمّ اليوميّ الحادّ. فتصير القرارات التي تمس حياة الناس أقرب إلى محكمة أخلاقية مفتوحة، يحكم فيها المجهول الجمعيّ لا النص الدستوريّ.
لكن السؤال الفلسفيّ الأعمق يظل معلقًا:
هل الشارع يتقدّم لأن المؤسسات ضعفت؟ أم أن المؤسسات ضعفت لأن الشارع توقّف عن الإيمان بها؟
إنها دائرةٌ مغلقة، يلتبس فيها السبب بالنتيجة، وتتشابك فيها أزمات الثقة مع أزمات الفعل.
ربما نحتاج إلى لحظة تأمل شجاعة ندرك فيها أن الدولة ليست مبنى، ولا قانونًا مكتوبًا، ولا تجمّعًا من الكراسي؛ بل هي شبكةُ ثقة. فإذا انقطعت خيوطها من البرلمان والأحزاب والنقابات، مدّ الشارع خيطًا آخر… لكنه خيطٌ مشدود، قابل للاهتزاز، لا يشكّل وحده نولًا يمكن أن تُنسَج عليه السياسات.
وفي النهاية، يبقى صوت الناس حقيقةً لا يمكن تجاهلها، لكنه ليس بديلًا عن مؤسسات قوية، ولا عن عقلٍ جمعيّ منظم. فالمجتمع الذي لا يجد منبرًا يسمعه، سيصرخ. أما المجتمع الذي يسمع نفسه عبر مؤسساته، فلا يحتاج إلى رفع الصوت… بل يكفيه أن يتكلم.
























