م. صلاح طه عبيدات يكتب: الدولة بين الشرعية والإنهيار

م. صلاح طه عبيدات يكتب: الدولة بين الشرعية والإنهيار
نبأ الأردن -
ليست الدولة حدودًا تُرسَم أو سلطة تُمارس، بل حضور خفيّ يبدأ في الوجدان قبل أن يتجلى في الواقع. فهي حاجة الإنسان إلى مأوى روحي يفسّر انتماءه، ويمنحه شعورًا بأنه جزء من قصة جماعية تمتد أبعد من فرديته. ولأجل ذلك، لا يصبح البقاء هبة تُعطى، بل امتحانًا متواصلًا يختبر قدرة المجتمع على صناعة المعرفة والعدل وسط تعقيدات العالم.
وفي هذا الامتحان تنشأ الشرعية، لا من نصوص مكتوبة، بل من ثقة متبادلة بين الدولة ومواطنيها؛ ثقة تشبه النبع الذي يغذي جذور الشجرة. فإذا ضعفت، انهار البناء من الداخل، لأن الدولة تموت في القلب قبل أن تندثر في مؤسساتها.
ومن الشرعية يولد الأمن، لا كقوة ظاهرة بل كشعور يسمح للإنسان أن يحيا بلا خوف، وأن يفتح عينيه على صباح مضمون الكرامة. فإذا غاب هذا الشعور، بدت القوة سطحًا هشًّا، مهما تعددت أدواتها.
والاقتصاد، في عمقه، هو قدرة الدولة على تحويل الجهد الإنساني إلى قيمة وكرامة. فإن اختل ميزانه، عاش الإنسان غريبًا في وطنه؛ وإن اعتدل، صار الوطن تجربة تُعاش، لا عبارة تُقال، وعادت الروابط بين الأرض وأبنائها حيّة ونامية.
وتستمد الدولة قوتها من وحدة المجتمع، فالهويات الضيقة تعزل الأفراد، أما اتساع الهوية فيجمعهم في معنى مشترك يجعل الوطن جذرًا وأفقًا في آن واحد. ومن هنا تتقدم العدالة كأهم خيط يشد المواطن إلى دولته، لأنها الضوء الذي يمنع تحوّل الوطن إلى ساحة صراع، ويجعله مساحة كرامة وأمان.
وحين تُشيّد المؤسسات على أخلاق راسخة، لا على أنظمة جامدة، تصبح ذاكرة الدولة وعقلها، تضمن استمرارها مهما تغيّر الأشخاص، وتحفظ روحها من تقلبات اللحظة.
وفي علاقتها بالعالم، تحتاج الدولة إلى حكمة تُوازن بين الانفتاح والانكفاء؛ فالعزلة إلغاء للذات، والانفتاح بلا وعي تبديد لها. فقط التوازن يمنح الدولة مكانها بين الأمم دون أن تفقد جوهرها.
ويبقى العلم الرافعة الكبرى: النور الذي لا ينطفئ، والأساس الذي تُبنى عليه إرادة الشعب وقدرة الدولة على كتابة مستقبلها. ومن يغفل العلم، يهدم نفسه قبل أن يهدمه الخارج.
وهكذا يتبين أن الدولة لا تبقى صدفة، بل بوعي شعب، وبصيرة قيادة، واتحاد قانون وضمير. إنها شجرة لا تقوى عليها العواصف ما دامت جذورها في القلب، وما دام أبناؤها يجدون فيها معنى البقاء ووعد الغد.
تابعوا نبأ الأردن على Google News
تصميم و تطوير Vertex Web Solutions