د. وليد العريض يكتب: تصريح السفير… زلّة لسان أم بروفة لخرائط النار؟
نبأ الأردن -
في لحظة إقليمية مشحونة يخرج تصريحٌ من سفيرٍ أمريكيّ يلمّح إلى "أحقية إسرائيل” في أراضٍ من سوريا ولبنان والأردن والعراق وجزءٍ من السعودية.
هل نحن أمام زلّة لسان عابرة؟ أم رسالة اختبار؟ أم بالون هواءٍ سياسيّ يُطلق لقياس ردود الفعل؟ أم أنّ التصريح مقصودٌ بعناية ليُمهِّد لمرحلةٍ جديدة تحت مظلّة أمريكية كثيفة؟
المشهد أعقد من إجابةٍ واحدة، لكنه ليس بلا دلالات.
أولًا: إزاحة الأنظار عن الضفة وغزة
ما يجري في الضفة الغربية من توسّعٍ استيطانيّ وتسارعٍ في تغيير الوقائع على الأرض، وما تشهده غزة من إبادةٍ مفتوحة، يضعان إسرائيل تحت ضغطٍ أخلاقيّ وقانونيّ متصاعد. في مثل هذه اللحظات، يصبح خلقُ "صدمةٍ أكبر” أداةً سياسيةً معروفة:
حين تُطلق فكرةً صادمة عن خرائط تمتدّ إلى عواصم أربع، تُعاد صياغة النقاش. يتحوّل السؤال من: ماذا يحدث في نابلس وغزة؟ إلى: هل تُرسم خرائط جديدة للمنطقة؟
هنا، قد يكون التصريح ستارًا كثيفًا يُربك البوصلة ويُخفّف التركيز عن وقائع يومية تتراكم في الضفة وغزة.
ثانيًا: رسالة في سياق الحرب المفتوحة
United States Department of State ليست مؤسسة تصدر كلماتٍ بلا حساب. حتى التصريحات "الشخصية” لسفرائها تُقرأ ضمن سياقٍ استراتيجي.
إذا كان هناك حديثٌ يتصاعد عن احتمال مواجهة أمريكية–إيرانية، فإن توسيع سقف الخطاب حول "الحدود” و”الأحقية التاريخية” قد يكون جزءًا من رفع السقف التفاوضي، أو من صناعة بيئة نفسية لحربٍ محتملة.
فالسياسة أحيانًا تُجري المناورات بالكلمات قبل أن تُجريها بالصواريخ.
ثالثًا: بروفة خرائط تحت المظلّة
التحالف العضوي بين واشنطن وتل أبيب ليس سرًّا.
United States توفّر الغطاء السياسي والعسكري، وIsrael تتحرّك في الميدان.
عندما يُطرح خطابٌ يتجاوز حدود 1967 ليطال أراضي دولٍ عربية سيادية، فإن السؤال المشروع: هل هو اختبارٌ لردود الفعل العربية والدولية؟ هل هو قياسٌ لدرجة الانقسام العربي؟ أم هو جسّ نبضٍ لمعرفة حدود الممكن والمستحيل؟
في السياسة الدولية، لا تُطلق الأفكار الكبرى دفعةً واحدة؛ تُسرَّب، تُختبر، تُقاس حرارتها، ثم يُبنى عليها.
رابعًا: قانون الفيزياء… حين يتكلم التاريخ
لكن ثمة قانونٌ لا تعفي منه القوةُ العسكرية ولا المظلّاتُ السياسية:
قانون نيوتن الثالث في الحركة.
Isaac Newton صاغه ببساطة مذهلة:
لكلِّ فعلٍ ردُّ فعلٍ مساوٍ له في المقدار، ومضادٌّ له في الاتجاه.
في الفيزياء، هو قانون حركة.
في السياسة، هو قانون تاريخ.
كل احتلال يولِّد مقاومة.
كل توسّعٍ يولِّد رفضًا.
كل محاولة لفرض خرائط بالقوة تُنتج خرائط مضادّة في الوعي والجغرافيا والذاكرة.
المنطقة ليست فراغًا جغرافيًا، بل كتلةً بشريةً وتاريخًا ممتدًا ووعيًا يتراكم. قد يتأخر "رد الفعل”، لكنه لا يُلغى. قد يتشتّت، لكنه لا يتبخّر.
خامسًا: بين الزلّة والقصد
هل التصريح لصرف الأنظار؟
هل هو تمهيدٌ لتصعيدٍ أكبر؟
هل هو رسالة لإيران؟
هل هو اختبارٌ للعرب؟
ربما هو كل ذلك معًا. السياسة الكبرى لا تتحرّك بخيطٍ واحد.
لكن المؤكد أن اللعب بخريطة المنطقة ليس مجرّد جملةٍ في مؤتمر صحفي. هو عبثٌ بمخزونٍ تاريخيّ مثقلٍ بالحروب والدماء والذاكرة.
ومن يظنّ أن القوة وحدها تصنع الاستقرار، يتجاهل أن قوانين الحركة لا تُعطَّل بإرادةٍ سياسية.
الفعل يولِّد ردًّا.
والردّ، حين يتراكم، قد يصبح فعلًا أكبر.
خاتمة: حين تُرسم الخرائط على الرمل
قد تستطيع القوة أن تغيّر حدودًا على الورق.
لكنها لا تستطيع أن تُطفئ قانونًا كونيًا بسيطًا:
لكل فعلٍ ردُّ فعلٍ مساوٍ له في المقدار، ومضادٌّ له في الاتجاه.
وفي منطقتنا، حيث الذاكرة أطول من الحدود،
كل فعلٍ سياسيٍّ قسريٍّ هو طاقةٌ كامنة لردٍّ تاريخيٍّ آتٍ…
قد لا نعرف شكله،
لكننا نعرف يقينًا أنه سيأتي.

























