صلاح طه عبيدات يكتب: تأملات روحية
نبأ الأردن -
في ظلال رمضان، حيث تُصبح الروح أكثر شفافية من ضوء الفجر، ندرك أن التوبة ليست فعلًا عابرًا، بل عودة كونية إلى مركز الذات؛ إلى تلك النقطة التي يتساوى فيها الإنسان مع حقيقتِه، بلا زيفٍ ولا صوتٍ سوى همس القلب.
في هذا الشهر تتجلّى قيمة الدموع؛ ليست علامة ضعف، بل ختمًا يؤكّد أن القلب ما زال حيًّا بما يكفي ليتألم، وبما يكفي ليبحث عن النور. فالبكاء هنا ليس انكسارًا، بل اتساعٌ للروح كي تحتمل ما لم تعد تحتمله قسوة الأيام. كأنّ الدمع هو الطُهر السائل، يغسل ما علِق بالروح من غبار الطريق.
إنّ الندم في رمضان ليس جلدًا للذات، بل يقظةٌ تُعيد ترتيب الفوضى في الداخل، وتعلّم الإنسان أن العودة إلى الله ليست هروبًا من العالم، بل عودةٌ إلى جوهره الأصفى. وفي لحظة الصفح الإلهي، يشعر القلب كأنه يُولد من جديد؛ خفيفًا من الأثقال، محرّرًا من ظلال الأمس، مهيّأً لاحتضان المعنى.
رمضان يعلّمنا أنّ المغفرة ليست مجرد نعمة تهبط، بل ضوءٌ يُعاد إشعاله في أعماقنا؛ وأن الطريق نحو السلام يبدأ باعتراف صادق، يليه انحناءٌ داخلي يمتلئ توقيرًا لا ذلًّا، وشكرًا لا خوفًا.
هكذا يتحوّل الشهر المبارك إلى مخبرٍ روحي، يعيد فيه الإنسان صقل ذاته، ويكتشف أن أقرب خطوة نحو النور تبدأ من دمعة، وأن أقرب باب إلى الله هو القلب الذي تجرأ على أن يتطهّر.

























