د.عبدالله محمد القضاه يكتب: بين الكفاءة والمعيشة: ماذا يعني تقليص أيام العمل؟
نبأ الأردن -
في ظل التحديات الاقتصادية والاجتماعية الراهنة التي تواجهها المملكة، يبرز نقاش حيوي حول إعادة تنظيم العمل الحكومي وهو نقاش يتجاوزفي جوهره مسألة الدوام ؛ ليمس سؤالا بنويويا أعمق: كيف يمكننا رفع كفاءة الاقتصاد وتحسين جودة حياة المواطن دون تحميل خزينة الدولة أعباء إضافية؟
من هذا المنطلق، فإن دراسة الحكومة لإمكانية تعطيل المؤسسات الحكومية ثلاثة أيام في الأسبوع تستحق نقاشًا موضوعيا هادئًا، بعيدًا عن الانطباعات المتسرعة، ومرتكزا على تحليل الأثر الاقتصادي والاجتماعي المباشر.
فمن حيث الاثر الإقتصادي على الموظف وأسرته، يواجه الموظف الحكومي اليوم معادلة صعبة بين دخل محدود وتكلفة معيشة متزايدة. لذا فإن إتاحة وقت إضافي منظم قد تفتح فاقا واقعيًة لتحسين دخله، ليس عبر المطالبة برفع الرواتب فحسب، بل من خلال تمكينه من تنويع مصادر دخله، وهذا التوجه ينسجم تماما مع دعم ريادة الأعمال والمشاريع متناهية الصغر التي تشجعها الدولة ضمن رؤيتها الإقتصادية، فضلا عن ذلك، يسهم تقليص أيام الدوام في تخفيف الإزدحام المروري في العاصمة والمدن الكبرى مما يقلل من استهلاك الوقود والانبعاثات الكربونية، ويوفر كلف التنقل على الموظف.
إن توفر ثلاثة أيام خارج إطار الدوام الرسمي يمنح الموظف فرصة للإنخراط في أنشطة إنتاجية، كالزراعة، أو المشاريع المنزلية، أو الأعمال الحرفية، مما يعزز الاقتصاد المحلي غير الرسمي بصورة منظمة، وينعكس إيجابا على الحركة المالية في المجتمعات المحلية. علاوة على ذلك يتيح هذا الوقت للموظف تطوير مهارات مهنية أو تقنية ترفع من إنتاجيته وقيمته التنافسية في سوق العمل. فهذا الوقت لا يُعد تعطيلًا للاقتصاد، بل قد يتحول إلى رافعة اقتصادية صامتة إذا أُدير بوعي وتشريع واضح.
أما الأثر المحتمل على الاقتصاد المحلي اقتصاديًا، لا ينبغي قياس النشاط الإقتصادي بعدد ساعات المكوث في المكاتب الحكومية، بل بحجم الدورة الاقتصادية الناتجة عنها. فزيادة الوقت المتاح للمواطن تعني تنشيط الاقتصاد الريفي ، لاسيما في المحافظات التي تمتلك أراضي غير مستثمرة، وزيادة الطلب على قطاعات الخدمات، والنقل، مما يحرك قطاعات مساندة عديدة.
وعلى صعيد الدولة، فإن تعطيل المؤسسات يوما إضافيا يترجم إلى خفض مباشر في فاتورة الطاقة التشغيلية للمباني الحكومية، وهو وفر مالي يمكنإعادة لدعم التحول الرقمي أو صناديق التنمية. كما أن هذا النظام سيشكل رافعة قوية للسياحة الداخلية ، حيث ستجد العائلات الأردنية المتسع من الوقت لزيارة المواقع الأثرية والسياحية في مختلف المحافظات .
ومن حيث الأبعاد الاجتماعية والاستقرار المجتمعي، فإن إعادة توزيع الوقت بين العمل والحياة الخاصة تنعكس مباشرة على الاستقرارالأسري ، فالموظف الذي يمتلك وقتا كافيا يكون أكثر قدرة على رعاية أسرته،وأكثر توازنا نفسيا، وأقل عرضة للإرهاق الوظيفي، هذا التوازن يعزز من انخراطً الفرد في الشأن العام والعمل التطوع، مما يسهم في خفض التوتر الإجتماعي وتمتين جسور الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
وقد يتساءل البعض: ماذا عن كفاءة الحكومة والخدمات؟ يبقى القلق المشروع متمثلا في ضمان عدم تراجع مستوى الخدمات العامة. وهنا نؤكد أن الفكرة لا تعني إغلاق المؤسسات ، بل إعادة هندسة العمليات الإدارية عبر ضمان "تناوبات "ذكي يضمن إستمرارية الخدمات الاساسية، بالتوازي مع التوسع في الحلول الرقمية لتقليل الحاجة للحضور الشخصي. إن نجاح هذه التجربة مرهون بقدرة الإدارة العامة على التحول من ثقافة الدوام التقليدية إلى ثقافة الإنتاجية والنتيجة.
وهناك تحديات يجب الإعتراف بها، من من الواقعية الإقرار بأن هذه الفكرة قد لاتصلح للتطبيق الحرفي في كافة القطاعات؛ فبعضها يتطلب حضورًا دائمًا، وبعضها الآخر قد يحتاج لتطبيق تدريجي. إن النجاح يتطلب إطارًا تشريعيًا محكما ورقابة إدارية فعّالة، والأهم من ذلك ، بناء ثقافة وظيفية جديدة تقوم على الانضباط والمسؤولية الذاتية.
ختاما، إن التفكير في تقليص أيام العمل الحكومي ليس ترفًا ، بل هو خطوة نحو إعادة تعريف العلاقة بين العمل، والاقتصاد، وجودة الحياة. الأردن اليوم بحاجة إلى حلول مبتكرة تجعل من المواطن شريكًا في الإنتاج لا مجرد متلقٍ للخدمة، لتحويل الوقت الإضافي من عبء محتمل إلى فرصة وطنية تعزز الاستقرار والإزهار.
*أمين عام وزارة تطوير القطاع العام مدير عام معهد الإدارة العامة سابقا.
























