م.صلاح طه عبيدات يكتب:عالم بلا وجه: من رأسمالية الهيمنة إلى سؤال السيادة… وأين يقف العرب؟

{title}
نبأ الأردن -
ما نشهده اليوم ليس تحوّلًا اقتصاديًا عابرًا، بل انزلاقًا كونيًا من رأسمالية التبادل إلى رأسمالية الهيمنة؛ من السوق إلى القيد، ومن الإنسان إلى الخوارزمية. ما يُسمّى «النظام العالمي الجديد» لا يُعيد رسم خرائط الدول بقدر ما يمحو معناها، حيث تتلاشى الحدود وتبقى السلطة، وتذوب السيادات وتبقى القبضة. الرقمنة هنا ليست أداة تقدّم بريئة، بل لغة سيطرة ناعمة، تُدار بها الأعناق دون سلاسل، ويُقاس بها الوجود بعددٍ وكودٍ وتصنيف.
وفي هذا السياق، لا تبدو فنزويلا استثناءً، بل مثالًا فاضحًا. دولة قررت أن تكون أكثر من رقم في معادلة الطاقة والمال، فكان عقابها العزل والحصار والتجويع الممنهج. لم تُحاكم لأنها أخطأت فقط، بل لأنها خرجت عن النص، عن السيناريو المكتوب سلفًا لمن لا يندمج في احتكارية العالم الواحد. هنا يتكشّف الوهم الكبير: الصراع ليس بين ديمقراطية واستبداد، بل بين إرادة تريد أن تحكم ذاتها، ومنظومة لا تسمح إلا بالطاعة.
أما عن الأقطاب—واحد أم اثنان أم متعدد—فهو سؤال ناقص إن لم يُسبَق بسؤال أعمق: من يملك القرار؟ هل هي الشعوب أم الشبكات؟ هل الدول أم الشركات العابرة للقارات؟ فالقطب الواحد هو ذروة الاحتكار، وتعدد الأقطاب قد يكون فرصة للتوازن، لكنه قد يتحول بدوره إلى تعدد سلاسل إن غابت العدالة والمعنى.
وهنا يطل السؤال العربي كجرحٍ مفتوح: أين العالم العربي من كل هذا؟ أهو شاهدٌ صامت، أم ساحة اختبار، أم مخزن موارد، أم مجرد رقم احتياطي في دفاتر النظام العالمي؟ العالم العربي، المثقل بالانقسامات، يبدو كمن يعيش خارج التاريخ وهو في قلبه؛ يمتلك الموقع ولا يمتلك الموقف، يمتلك الثروة ولا يمتلك القرار. يتأرجح بين استهلاك خطاب السيادة وتفريغه من مضمونه، وبين الخوف من الفوضى والاعتياد على التبعية.
إن أخطر ما في المشهد ليس قوة النظام العالمي الجديد، بل غياب السؤال العربي الحرّ داخله. فالعالم لا يُعاد تشكيله بالقوة وحدها، بل بصمت الذين كان يمكنهم أن يقولوا لا، فاكتفوا بالمشاهدة. وفي زمن تُقاس فيه الأمم بقدرتها على الرفض قبل قدرتها على الاندماج، يبقى السؤال معلقًا: هل نريد أن نكون جزءًا من العالم… أم مجرد هامشٍ في شاشته؟
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير