دأحمد عبد الهادي مساعد المدير العام في مستشفى الحكمة الحديث بالزرقاء يكتب : التسويق الطبي .. حين تُرتكب الخيانة باسم “التوعية”
نبأ الأردن -
لم يكن الطب في يوم من الأيام مهنة استعراض، ولا الطبيب صانع محتوى، ولا المريض مادة دعائية. ومع ذلك، فإن ما نشهده اليوم تحت مسمى "التسويق الطبي” لم يعد مجرد تجاوزات فردية، بل تحوّل إلى ظاهرة مقلقة تكشف سقوطًا أخلاقيًا واضحًا، وانحرافًا خطيرًا عن جوهر المهنة ورسالتها الإنسانية .
لقد انقلب الإعلان الطبي عند البعض إلى سوق تُباع فيه الأوهام، وتُصاغ فيه الوعود الكاذبة بالشفاء والنتائج "المضمونة”، ويُستغل خوف المرضى وضعفهم لتحقيق شهرة سريعة أو مكاسب مادية. وبدل أن يُقاس الطبيب بعلمه وخبرته وأمانته، بات يُقاس بعدد المتابعين وحجم المشاهدات، في مشهد يُفرغ الطب من قيمته، ويشوّه تاريخه، ويقوّض ثقة المجتمع به .
الأخطر أن كثيرًا من هذا المحتوى لا يستند إلى أي أساس علمي رصين، بل يحمل معلومات ناقصة أو مضللة، وقد تكون نتائجه كارثية على صحة المرضى. والأسوأ أن بعض من يتصدرون هذا المشهد لا يملكون التأهيل العلمي ولا الانضباط المهني، لكنهم يملكون الجرأة على المتاجرة بمعاناة الناس دون رادع أخلاقي أو مهني .
المريض ليس زبونًا، والمرض ليس فرصة، والعلاج ليس سلعة. وكل من يتعامل بهذه الذهنية لا يسيء إلى نفسه فقط، بل يعتدي على قدسية المهنة، ويهدم ثقة المجتمع بالطب كعلم ورسالة .
إن استغلال الألم الإنساني تحت شعار "التوعية” ليس وعيًا، بل تضليل متقن وخداع أخلاقي مرفوض .
ولا يمكن في هذا السياق إعفاء الهيئات المهنية والنقابات من مسؤولياتها؛ فالصمت، والتهاون، وغياب المساءلة، أسهموا بشكل مباشر في اتساع هذه الظاهرة، حتى باتت الممارسات الأكثر انفلاتًا هي الأعلى صوتًا والأوسع انتشارًا. إن ترك هذا الانحدار دون محاسبة لا يعني الحياد، بل المشاركة فيه، ويضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية لا يمكن التنصل منها .
فالطب بلا أخلاق سقوط، والترويج بلا ضمير جريمة مهنية، والتهاون في مواجهتهما خيانة للمريض أولًا، وللمهنة أخيراً .

























