بلال حسن التل يكتب : عسكرنا لا يكذبون


مثل الاغلبية الساحقة من الأردنيين, تعلق قلبي مبكراً بـ “الجيش “, وهو تعلق زادته الأيام عمقاً, وحوله التعامل المباشر مع الجيش إلى علاقة تمتزج فيها العاطفة بمعطيات الفكر, فذات صباح أردني جميل، من صباحات عمان التي كانت تعج بالحراك الفكري والسياسي الناضج، الذي كان صنّاعه يتنافسون على حب الأردن وبناءه، فكانوا وإن تلونت مشاربهم الفكرية ومدارسهم السياسية، وإن تعددت شعابهم وطرقهم, يلتقون عند مصب واحد هو بناء الأردن وحمايته وبقاء صورته مشرقه.
في ذلك الصباح, كانت قاعة المؤتمرات في المركز الثقافي الملكي تغص بحضور من كل الوان الطيف السياسي والفكري والاجتماعي, ومن كل محافظات المملكة، عندما أشار إلي المرحوم بإذن الله المشير الركن حابس المجالي بإشارة آمرة إن أنزل إليه من على المنصه, التي كنت أدير منها نشاط ذلك الصباح, إلى حيث كان يجلس هو رحمه الله, وما أن وصلت إليه حتى همس بأذني بعبارة قصيرة مازلت أذكرها, لما فيها من معاني الحب والخصوصية والألفة، وروح النكته, فعسكرنا يحبون الحياة, ويعرفون صناعة الضحكة, تماماً مثلما لا يخافون الموت, ومثلما يتقنون صناعة النصر, كما فعل حابس في اللطرون وباب الواد, وكما صنعه جيشنا في الكرامة.
بنفس الإشارة الآمرة طلب مني المشير العودة إلى المنصه لأكمل مهمتي, ولكنني منذ ذلك الصباح ورغم مرور عقود, مازلت أضحك كلما تذكرت ماهمس به في أذني, ذلك الفارس من فرسان الوطن الخالدين المتميزين، مثلما أتذكر الدقة التي كان يتمتع بها خاصة في مواعيده ووعوده وبما يلتزم به، من ذلك أننا كنا في مكاتب جريدة اللواء التي كان كثيرون يعتبرونها جريدة “الجيش”, ليس لأسمها فقط, بل ولمضامينها, ولأنها كانت توزع عبر مديرية التوجيه المعنوي على الكثيرين من منتسبي قواتنا المسلحة, أقول كنا نضبط ساعاتنا على موعد موكب المشير في مجيئه ورواحه اليومي إلى نادي الملك حسين بنفس الدقيقة من كل يوم, في ممارسة رائعة للإنضباط واحترام الوقت والموعد.
أما المشير زيد بن شاكر, فقد تعاملت معه وعرفت مدى إيمانه بالثقافة وبدور الإعلام, ورغم الهدوء الذي يرتسم على محياه فقد كان حازماً إذا قال إلتزم وفعل, فعسكرنا لا يكذبون, لذلك فإن قول قائدهم كان يسري في كل عروق المؤسسة العسكرية, فالمؤسسية هي أهم ما يميز قواتنا المسلحة التي اشتهرت بالإنضباط والإنجاز, تقول للمُحسن أحسنت وتردع المسيء.
هذه وغيرها دروس تعلمتها من تعاملي مع القوات المسلحة في مراحل عديدة, وعبر مواقع متعددة, لذلك كررت الدعوة في مقالاتي, ان تسري في عروق مؤسسات الدولة القيم التي تحكم قواتنا المسلحة, وأولها الصدق والإنضباط والمؤسسية، والإنجاز, واحترام الوعد والموعد, ومن حيث العقاب والثواب, فهذا هو سبيلنا للخروج من أزمات صنعها لنا مسؤولون غابت عنهم القيم التي تحكم قواتنا المسلحة.
واليوم وفي عيد جيشنا العربي المصطفوي، نجدد الدعوة لسريان قيمه في عروق كل مؤسسات وطننا، فهي سبيلنا لاستعادة ألق دولتنا، وكل عام وقواتنا المسلحة بألف ألف خير.
Bilal.tall@yahoo.com

شارك:

شاهد أيضاً

حمادة فراعنة يكتب: القوانين المطلوبة المقترحة

ثلاث محطات سيمر منها قطار توصيات «اللجنة الملكية لتطوير المنظومة السياسية» ، وحصيلة عملها حتى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.