مظفر عثمان ابداح يكتب : العالم بين قطبين

{title}
نبأ الأردن -
كثيرًا ما نسمع أن العالم يتجه إلى تعددية الأقطاب، فماذا يقصد بتعددية الأقطاب؟ وما هي الأقطاب التي ستحكم العالم؟ وما هي دلالات ذلك؟ وهل ستسمح القوى السائدة للقوة الصاعدة بالتطور؟
لعل العالم أدرك أخيرًا أن تعددية الأقطاب لازمة لمواجهة القطب الواحد المتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية، لذلك بدأنا نرى قوى صاعدة مثل الصين، وذلك بالطبع لن يمر دون مواجهة في ساحات عدة حول العالم، إلا أنه لم يظهر ذلك في كافة الساحات الدولية؛ لأنه تختلف أهمية كل ساحة عن الأخرى لتلك الدولة الكبرى، وأستبعد منها الدول الأوروبية والتي ستكون خارج السباق وذلك لتبعيتها للولايات الأمريكية، رغم محاولة فرنسا بقيادة الاتحاد الأوروبي للخروج من تلك التبعية، وبغياب أوروبي عادت دول آسيوية هيكليتها حتى تصبح قطب بقوة القطب الأمريكي الأوحد ومن هذه الدول: الصين وروسيا والتي تبدو أنها تسير على خطى ثابتة نحو أن تكون مراكز قوة في العالم، ورغم دلالات توجه العالم نحو تعددية الأقطاب إلا أنه يجب أن نكون أكثر منطقية في ذلك وأن نسير خلف الحقائق وليس خلف رغباتنا.
تعتبر الصين الأقرب نحو أن تصبح دولة مسيطرة في العالم، ولذلك أصبحت الصين مصدر قلل للبيت الأبيض الأمريكي حيث أن الصين تعتبر القوة الصاعدة الهادئة وبذلك تهدد السيطرة الأمريكية على العالم، وتتبع الصين فلسفة الرئيس السابق دينغ شياو بينغ والتي أطلقها عام 1978م، تقول أن لا تصتدم بالقوة السائدة قبل استكمال بناء القوة الصاعدة، وأن بناء القوة يحتاج إلى 50 سنة، وتكون تلك المدة فقط لبناء الدولة ومؤسساتها، وبذلك تراهن الصين على عامل الوقت، وتتقدم الصين بنهج تلك الفلسفة، فهي حذرة بشكل كبير حتى لا تشعر الولايات المتحدة بالخطر من ناحيتها، ولكن بدأ الرئيس الصيني الحالي بالبدء بإظهار القوة لكن بشكل بسيط، وذلك لأنه يدرك بأن المواجهة اقتربت مع الولايات المتحدة الأمريكية.
الصين اليوم تشبه كثيرا الولايات المتحدة الأمريكية بالقرن 19، حيث أصبحت الصين تتوسع في البحر الصيني الجنوبي والشرقي، وتوسعت سيطرتها على آسيا الوسطى اقتصاديًا، وحتى المناطق السوفيتية سابقًا، أصبحت تسيطر عليها اقتصاديًا، ولذلك تقوم أمريكا بالتصدي للصين حتى لا تسيطر الصين على تلك المناطق وتطمع بالسيطرة على العالم، ولكن برأيي أن أمريكا وحلفاءها الأوروبيين أخطأوا بمواجهة روسيا في أوكرانيا؛ لأنها بذلك جعلت روسيا تتقرب أكثر من الصين ولذلك تعتبر الصين الكاسب الأكبر بالأزمة الأوكرانية، حيث تعتمد روسيا على الصين كمصدر للمنتجات، وأيضًا أصبحت الصين تشتري منتجات الطاقة أكثر من روسيا وبسعر أقل وتعرف الصين أنها بحاجة دائما للنفط والغاز، أما بالنسبة للجغرافيا فالحدود بين الصين وروسيا طويلة جدا، وهكذا أصبح كل منها درعًا للآخر، إلا أن هناك دول كثيرة في المنطقة حليفة للغرب مثل اليابان وكوريا الجنوبية واستراليا وفيتنام، وخلافات مع دول أخرى، مثل: الهند، ولكن كل شيء يتغير إذا استطاعت الصين أو روسيا أن تثبت قوتها وستكون تلك الدول مجبرة على تغيير سياساتها، وبذلك ستصبح هذه الدول صديقة لتلك الدول أو على الأقل لن تكون على عداء؛ لأن الجغرافيا ستجبر هذه الدول على إجبار السياسة والاقتصاد، ترسم علاقات صداقة مع جيرانها كل من الصين وروسيا.
إن العقلية الروسية الحاكمة تختلف كثيرًا عن النهج الصيني حيث أن روسيا تهدف إلى إرجاع عهد الاتحاد السوفيتي حتى لو بالقوة وبذلك السيطرة على الدول التي يكون فيها سكان من أصل روسي وأيضا ما يسمى بالعقلية السولافية التي يتمتع بها الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ولكن في ضوء المعطيات الحالية لا يمكن لروسيا أن تكون القطب القادم؛ وذلك لعدة أسباب منها: أن الاقتصاد الروسي يعتمد بشكل كبير على الغاز والنفط، وأيضا تمزق الهوية الروسية بين أوروبا وآسيا، وجغرافيتها الصعبة والمعقدة وخصوصًا الخريطة البحرية، ولكن يمكن تجاوزها العقبات وخصوصا إذا نجحت العملية الخاصة في اوكرانيا، ويمكنها ذلك حيث أن أي دولة نووية يمكنها فرض قوتها، فكما يقال دائما أي دولة نووية ليست في عنق الزجاجة.
العالم العربي والإسلامي اليوم أقرب إلى الصين من روسيا وذلك لأن روسيا على عداوة مباشرة مع الغرب، ولا تريد تلك الدول أن تدخل بمواجهة ستكون هي الخاسرة بالطبع بين تلك الدول، إلا أن بعض الدول تفضل العكس، وهناك دول عربية تفضل أن تصبح من الدول العظمى إلا أنها لا لم تكن لديها قادة يتبعون الحكمة الصينية وتطبيق فلسفة دينغ شياو بينغ والمراهنة على عامل الوقت، مثل: مصر في عهد جمال عبدالناصر، وذلك لأن تلك الدول لا تملك القوة الكافية للدفاع عن نفسها، فكان عليها أن تلعب على متناقضات القطبين مع الاقتراب من الصين أكثر، لتكون قادرة على منع الاختراق الغربي للثقافة الإسلامية والعربية وأيضا.
لا تملك الصين أدوات السيطرة الأمريكية في اختراق الشعوب، وتعتبر المنطقة الإسلامية من المناطق المتصارع عليها دائمًا، لذلك تُعتبر أي مواجهة منطقة خطرة جدا، وذلك لعدة أسباب من أهمها أنها غنية بمصادر الطاقة وأيضا يقع العالم العربي الإسلامي جغرافيًّا بالمنطقة الوسطى بين القطبين، ولا ننسى وجود 7 مضائق بالمنطقة الإسلامية من أصل 8 بالعالم.
تعتبر عملية طوفان الأقصى عملية رابحة بغض النظر عن نتائجها العسكرية بالنسبة للصين وروسيا حيث أصبحت أمريكا وحلفاؤها اليوم أكثر عداوة للأمة العربية والإسلامية، وقد وقعت في المنطقة وذلك بدعمها للكيان الأسرائيلي، وهذا يتماشى مع دول إسلامية مثل إيران التي على عداوة مع الغرب بشكل كبير جدًّا، ولذلك قامت إيران باتفاقية مع الصين، تُمكّن الصين بنشر قوتها في جزرها، وهذا يجعل القوات الصينية تنتشر في الخليج العربي، وأيضا الصين مهتمة جدا في البحر الأحمر، حيث قامت ببناء قاعدة عسكرية في جيبوتي، لما يملكه البحر الأحمر من أهمية اقتصادية كبيرة وخصوصا بنقل مصادر الطاقة.
لا يمكن القول: بأن الصين ستُسير قوتها لمصالح العرب والمسلمين، ولكن قد تكون قوتها يصب بمصالح العرب والمسلمين، فهي تعمل لمصالح كبقية الدول في العالم ولكن قد تلتقي المصالح والأفكار في جوانب معينة.
تابعوا نبأ الأردن على
تصميم و تطوير