دينا البشير تكتب : نحو المزيد من الحقوق المدنية والتسهيلات الفعلية لأبناء الأردنيات… بدلاً من الجنسية الكاملة

النائبة المحامية دينا البشير

يعتبرُ موضوع منح الجنسية أو سحبها أحد القضايا الحساسة في الأردن؛ وذلك عائدٍ لاعتباراتٍ كثيرة منها الخوفُ على هويّة الدولة من الناحية السكانية، ومنها أيضاً محدوديّة الموارد الاقتصادية.
ضمنَ هذا السياق يأتي الجدلُ الدائم والمستمر منذُ عدة سنوات حولَ منح أبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني الجنسيةَ الأردنية، وبالطبع كلما كانت تلكَ القضية تُطرح للنقاشِ العام، ندخلُ في جدلٍ سياسيّ له أوّل وليس له آخر. فالمؤيّدون لذلك يستندون إلى المساواةِ أمامَ الدستور في الحقوق والواجبات ما بين الجنسين، ويُعزّزون قولَهم هذا بأنّ دولاً عربيةً تُقرّ بالمساواةِ ما بين الجنسين في منحِ الجنسية لأبنائهم، و من تلك الدول: المغرب ومصر والجزائر. في الاتجاه الآخر والمعاكس للرأي الأول، هنالكَ الرأيُ الذي يُحذّر من تلكَ المُساواة من زاويةِ الخصوصية في موضوعي الهوية والقدرة الاقتصادية للدولة.

في العام 2014م تفاعلت الحكومةُ وقتَها مع مطلب المجلسِ النيابيّ السابع عشر، فجاءَ الحلُّ الوسط عبرَ منح أبناءِ الأردنيات المتزوجات من غير أردني، منح هؤلاء حقوقاً مدنّية؛ من أجلِ تخفيف معاناتهم في الحياة المعيشية، وفي وقتٍ لاحق تمّت موافقة الحكومة الأردنية على ذلك، وتمّ الإعلانُ عن إعطاءِ أبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني عدداً من الحقوق المدنيّة، أو مزايا عبرَ إصدار بطاقاتٍ تعريفية خاصة لهم، تضمنُ معاملتَهم معاملةَ الأردنيين في عددٍ من المجالاتِ الحياتية الهامة وهي ستة مجالات: ( التعليم، الصحة، التملّك، الاستثمار، العمل، رخصة القيادة للمركبات )، في الوقت ذاته وضعت الحكومةُ الأردنية شروطاً تُحدّد من خلالها من هم المستفيدين من تلكَ الحقوق، وأبرزها أن تكون مُدةُ الإقامة للمرأةِ الأردنية المتزوجة من غير أردني على الأراضي الأردنية لغاياتِ الاستفادة من تلك الحقوق المدنيّة أن تكونَ خمسَ سنواتٍ تسبقُ تقديمَ طلبِ الحصولِ على البطاقة التعريفية لأبنائها.

خلالَ أربع سنواتٍ لاحقة، أي في العام 2018م، أشارت الاحصاءاتُ أنّ الجهاتَ الرسمية أصدرت قرابةَ 72000 بطاقةً تعريفية، في ذاتِ الوقت أشارت دراساتٌ وتقارير ٌ إعلامية أخرى إلى صعوباتٍ رافقت إصدارَ البطاقات التعريفية؛ نتيجةَ صعوبةِ توفير الوثائق المطلوبة، كما أشارت إلى واقعِ الاستفادةِ الفعلية منها بعد إصدارها. تجدرُ الإشارة وحسب الإحصاءات، إلى أنّ أعدادَ الأردنيات المتزوجات من غير أردني تصلُ إلى قرابةِ 89000 امرأة، كما أنّ غالبيتهنّ متزوجاتٌ من فلسطيني الجنسية، فيما النسبةُ الاقلّ منهن متزوجات من أزواجٍ من جنسيات أخرى متفرقة، وأنّ العددَ الإجمالي لعددِ أسر الأردنيات المتزوجات من غير أردني يصلُ إلى 350000 فرد.

إنّ فكرةَ منحِ الجنسية الكاملة لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني تصطدمُ بمعوقاتٍ كثيرة أشرنا إليها مطلع المقالة، ونوضحها أكثر هنا ونزيد عليها، وأوّلها قانونُ الجنسيّة الأردني، حيث أنّ النسَبَ ذكوري، فإنّ الجنسيةَ تُمنحُ من الأبِ إلى الأبناء مُباشرة، كما أنها تُمنحُ من الزوجِ إلى زوجتهِ بعدَ 3 إلى 5 سنوات حسب جنسيتها، من حيثِ كونها عربية أو أجنبية، في ذاتِ الوقت فإنّ القانونَ؛ أي قانون الجنسية، لا يُعطي المرأةَ الأردنية الحقَّ في منحِ جنسيتها إلى أبنائها كأُمٍ، ولا منحِ جنسيتها إلى زوجها كزوجة. أمّا المعوقات الأخرى فهي إحداثُ تغييرٍ على التركيبةِ الاجتماعية للدولةِ الأردنية؛ مما يعني تحوّلٌ مُستقبلي في هويتها، وفوقَ ذلك وحيثُ أنّ غالبيةَ أزواج الأردنيات المتزوجات من غير أردني هم فلسطينيو الجنسية، فإنّ ذلك يعني تفريغٌ للأراضي المحتلة الفلسطينية من سكانها مستقبلاً من هذه البوابة، كما أنّ القيامَ بذلك هو خدمةٌ مجانيةٌ للمشروع الإسرائيلي. وعلاوةً على ذلك، ومن الناحيةِ الاقتصادية، فإنّ ميزانيةَ الدولة تُعاني ما تعانيه من عجزٍ ماليّ، وفوقه مديونيةٌ ضخمة، وبالتالي فإنّ منحَ الجنسية لهؤلاء نتيجةً لأعدادهم الضخمة، سيترتّبُ عليه مُستقبلاً نفقاتٌ ماليةٌ كبيرة من الدولة تجاهَ مواطنيها الجُدد، في ظلّ أنّ الدولةَ تُعاني ماليا.

اليوم… نقولُ أنّ الحالةَ شائكةٌ، ونحنُ لا زلنا نعيشُ في جدلٍ مُستمرٍ ما بينَ التيّار المؤيد الذي يرفعُ شعارَ البُعدِ الإنساني والمساواة الدستوريةِ من جهة، وما بين التيار المُعارضِ والذي يرفعُ شعارَ الأخطار وتبِعات اتخاذ هذا القرار.
من هنا فليست الشجاعةُ بقولِ نعمٍ أو بقولِ لا… فالموضوعُ لا يتمّ اختصارهُ بتلك الثنائية، وإنما الحلُّ عبرَ التفكير السليم والأسلم؛ وهو عبر التوسّع أكثر في التسهيلاتِ المُقدمة لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني، وأن لا تكون مُقتصرةً على ستةِ مجالاتٍ فقط، بل التوسّعُ أكثر في الحقوقِ المدنية وليس السياسية، وأيضاً أن لا تكون تلك التسهيلات المُقدمة لهم تسهيلاتٌ شكليّةٌ أو منقوصةٌ في واقعِ الحياة العملية؛ مما يتطلّبُ العمل على تقليلِ العقبات التي تحولُ دونَ حصولهم على تلك البطاقات التعريفية، مع الأملِ بمنحهم يوماً ما الجنسيةَ الكاملةَ التي تحملُها أمهاتهم؛ احتراماً للمساواةِ الدستورية بين الجنسين، والتي لا يكون لها تبعاتٌ سياسيةٌ أو اقتصاديةٌ تضرُّ بالدولةِ الأردنية.

في نهاية المقالة، وترجمةً لما سبق، أدعو إلى تبنّي عددٍ من المُقترحات التي من شأنها التخفيفُ عن أبناءِ الأردنيات وهي:

أولاً : تعديلُ قانون العمل في المادة 12 نحوَ استثناءِ أبناء الأردنيات من استصدارِ تصاريح عمل.

ثانياً : تعديلُ قانون الإقامة وشؤون الأجانب نحوَ إعفاء أبناء الأردنيات من شرطِ تجديد الإقامة، أو منحهم إقامةً طويلة الأمد برسومٍ بسيطة.

ثالثاً : إلغاءُ القرار الحكومي القاضي باشتراطِ إقامة الأردنية المتزوجة من غير أردني خمسَ سنوات على الأراضي الأردنية، كشرطٍ لتقديمِ طلب استصدار البطاقات التعريفية لأبنائهن للاستفادةِ من التسهيلات الحكومية.

رابعاً : السماحُ لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني ممن أعمارهم ست سنواتٍ فأقل بتلقّي العلاجَ المجانيْ في المستشفيات والمراكز الصحية، أسوةً بالمواطنين الأردنيين من ذاتِ العمر.

خامساً : أن تكونَ تكلفةُ العلاج لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني في المستشفيات بذاتِ التكلفة المُترتبة على الأردنيين الذين ليسَ لهم تأمينٌ صحّي.

سادساً : تخفيضُ قيمة الرسوم المطلوبة من أجلِ الحصول على رخصةِ قيادة السيارات لأبناء الأردنيات المتزوجات من غير أردني.

شارك:

شاهد أيضاً

محمود الدباس يكتب : المنشورات على وسائل التواصل.. بين التفاعل والتهميش

هل تقاس قوة وعمق المنشور بكثرة التعليقات؟!.. وهل اصحاب المراكز او الشهادات المتفاعلين هم الحكم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.