مروان العمد يكتب : كلام في المحظور – هل حقاً هنالك من يريد الاصلاح في الاردن / ٣

سيكون حديثي اليوم عن الاحزاب السياسية في الاردن ، وفيما اذا كانت فعلاً تريد الاصلاح .
وفي بداية الحديث فقد شهدت امارة شرق الاردن منذ بداية تأسيسها تشكيل العديد من الاحزاب السياسية والتي لعبت دورًا هاما في الحياة السياسية في تلك الفترة . فقد شكلت الحكومة الاولى عام ١٩٢١ وهي حكومة رشيد طليع من حزب الاستقلال . وشهدت الفترة التالية ظهور العديد من الاحزاب السياسية ، مثل حزب الشعب الاردني عام ١٩٢٧ ، وتم تشكيل حركة الاخوان المسلمين في عام ١٩٤٣ ، والحزب العربي الاردني / الجبهة الوطنية عام ١٩٤٦، وحزب الشعب الاردني عام ١٩٤٧ ، والحزب الشيوعي الاردني عام ١٩٥١ وحزب التحرير عام ١٩٥٢ ، وحركة القوميين العرب عام ١٩٥٢ والحزب الوطني الاشتراكي عام ١٩٥٤ الذي شكل ما سمي بالحكومة الوطنية عام ١٩٥٦ براسة دولة السيد سليمان النابلسي ، لتكون ثاني حكومة حزبية في الكامل بالاردن بعد حكومة رشيد طليع . كما ظهر حزب البعث العربي الاشتراكي عام ١٩٥٥ واحزاب اخرى . كما صدر اول قانون للاحزاب في الامارة عام ١٩٥٦ . وقد ساهمت هذه الاحزاب بفعالية في الحركة السياسية في الامارة في ذلك الوقت .
ولكن ونتيجة للظروف السياسية التي طرأت على المشهد السياسي الاردني عام ١٩٥٧، فقد تم اعلان حالة الطوارئ ووقف جميع النشاط الحزبي باستثاء جماعة الاخوان المسلمين والتي كانت قد تأسست في حينها كجمعية دعوية خيرية . واستمر الوضع على هذه الحالة حتى عام ١٩٨٩ حين عادت بعض مظاهر الحياة الديمقراطية والحزبية الى الاردن .
الا انه ورغم منع النشاط الحزبي في الفترة التي سبقت ذلك ، فقد مارست بعض الاحزاب العمل السياسي بطريقة سرية . وكانت في مجملها تمثل امتداداً لاحزاب خارجية وتأتمر بامرها ، مثل الحزب الشيوعي باجنحته المختلفة ، وحزب البعث العربي الاشتراكي بجناحيه وحركة القوميين العرب ، والحزب القومي السوري الاجتماعي وحزب التحرير الاسلامي وغيرها .كما قامت بعض التنظيمات الفلسطينية المسلحة بممارسة نشاط سياسي على الساحة الاردنية باسمها او باسماء رديفة مثل الجبهة الشعبية والجبهة الديمقراطية والتي هي تمثل امتداداً اردنيا لبعض هذه التنظيمات الفلسطينية المسلحة ، فيما استمر نشاط حركة الاخوان المسلمين والتي لم تحظر ، واخذت في ممارسة العمل السياسي في غياب الاحزاب السياسية العلنية في رعايه التنظيم العالمي للاخوان المسلمين ومكتب الارشاد العالمي والمرشد العام للاخوان المسلمين . ولكن وعلى الاقل كان لدينا احزاباً وكان لدينا حزبيين حقيقيين . وكانت هذه الاحزاب وبسبب عدم شرعيتها وعلانيتها تتنافس على السيطرة على النقابات المهنية بمختلف تسمياتها لتمارس نشاطاتها السياسية من خلالها .
ولكن وفي عام ١٩٨٩ ومع عودة الحياة الديمقراطية وانتخاب مجلس النواب الحادي عشر ، تم اعادة الحياة الحزبية الى الاردن وتم تشكيل العديد من الاحزاب السياسية وعلى شرط الحصول على الموافقة من قبل وزارة الداخلية وان تكون مستقلة سياسياً وادارياً ومالياً عن الاحزاب والتنظيمات الخارجية . وان تمارس عملها بطريقة سلمية ، وان لا يكون من اهدافها العمل على تغيير نظام الحكم في الاردن . وقد صدرت خلال الفترة الماضية عده قوانين للاحزاب وهي قانون عام ١٩٩٢ وقانون عام ٢٠٠٧ وقانون عام ٢٠١٢ وكانت في تلك الفترة خاضعة لوزارة الداخلية . وفي عام ٢٠١٥ تم نقل ملف الاحزاب الى وزارة الشؤون الحزبية وصدر قانون الاحزاب رقم ٣٩ لعام ٢٠١٥ .
وقد شهدت الفترة التالية تشكيل العديد من الاحزاب السياسية حيث شكلت جماعة الاخوان المسلمين حزب جبهة العمل الاسلامي لكي تمارس العمل السياسي من خلاله ، مع بقاء الجماعة تمارس هذا العمل ايضا وبطريقة غير قانونية ولا شرعية . كما قامت جميع الاحزاب التي كانت مرتبطة باحزاب وتنظيمات خارجية بتشكيل احزاب بنفس الاسم او اسماء جديدة مشتقة منها ، وعلى اساس انها مستقلة عن احزابها وتنظيماتها الخارجية ، الا ان هذا الاستقلال كان في معظمه شكلياً . كما تم تأسيس العديد من الاحزاب الوسطية والمحلية والدينية . واخذت اعداد هذه الاحزاب في التزايد ، كما حصل بها العديد من الانشقاقات حتى تجاوز عددها الخمسون حزباً ، واغلبها قد لا يتجاوز عدد اعضائه الاعضاء المؤسسين له ، وتعتمد هذه الاحزاب بتمويلها بصفة اساسية على المخصصات الحكومية التي تحصل عليها .
وكثيرا ما صدعت هذه الاحزاب رؤوسنا بدعواتها الى اصلاح القوانين وخاصة قانون الانتخابات وقانون الاحزاب السياسية ، والدعوة لتشكيل برلمانات حزبية يعقبها حكومات حزبية . كما صدعت هذه الاحزاب رؤوسنا بالحديث عن الديمقراطية فيما بقي أمنائها العامون على رأس احزابهم الى الممات ، وتجاوز بعضهم في منصبه هذا العشرات من السنين . والتغيير الوحيد الذي كان يحصل هي حالات انشقاق من اشخاص يسعون لهذا المنصب ، فيشكلون احزاباً جديداً ليقوموا بتطويبها باسمهم . ولكن هل كانت هذه الاحزاب صادقة في دعواتها هذه ؟ وهل عملت على تحقيقها
واقع الحال يقول بعكس ذلك حيث ان وجود برلمان حزبي وتشكيل حكومات حزبية لن يكون في صالحها ، باستثناء حزب جبهة العمل الاسلامي باعتباره يستند الى قاعدة حزبية اوسع ويشمل ايضاً جماعة الاخوان المسلمين ، بالاضافة الى التيار الديني الذي اجاد الحزب والجماعة العزف عليه . لذلك كان هذا الحزب هو الاكثر دعوة لقانون انتخابات حزبي والى الحكومات الحزبية ، والعودة لقانون انتخابات لعام ١٩٨٦ ذي الاصوات المتعددة ، والذي خاض الحزب الانتخابات على اساسه عام ١٩٨٩ ، وفاز باثنان وعشرين مقعداً به بالاضافة لمن ترشح منهم كمستقلين او من الموالين لهم ، علماً انهم في تلك السنة لم يخوضوا الانتخابات بقوائم تغطي جميع انحاء الاردن خوفاً من فوزهم بالاغلبية وبالتالي انتقالهم من دور المعارضة التي يجيدونها لكونها الاسهل ، الى دور الادارة الحكومية والتي لا يجيدونها والتي سوف تضعهم في مواجهة الحقيقية .
اما باقي الاحزاب وحتى الاحزاب اليسارية والقومية فقد بقيت تخوض الانتخابات بخجل . ولكن اعتماداً على قاعدة مرشحيها العشائرية من غير الاعلان عن انتمائاتهم الحزبية الا بعد نجاحهم في الانتخابات . وحتى مع تطور قوانين الانتخابات وزيادة الفرصة لمشاركة الاحزاب السياسية فيها فقد ظل تمثيلها هامشياً .وحتى الاحزاب الوسطية او الموالية فلم تكن على الغلب تخوض الانتخابات الا على اساس قواعد مرشحيها العشائرية ودون تحقيق نتائج ملموسة . وذلك لكون هذه الاحزاب تعلم انها اذا خاضت الانتخابات على اساس حزبي فأنها لن تكون لها فرصة تذكر في الفوز . وفي الانتخابات الاخيرة لم تحصل بعض الاحزاب الا على اقل من اربع مائة صوت لجميع مرشحيها قي جميع الدوائر الانتخابية ، حتى ان بعض مرشحيها لم يحصلوا الا على صوت واحد . ولذلك فأن جميع هذه الاحزاب لم تعمل بشكل جدي على ايجاد قانون انتخابي حزبي لأنها تعلم ان لامل لاي حزب منها باستثناء حزب جبهة العمل الاسلامي بالحصول على عدد من المقاعد تؤهلهم الى تشكيل حكومات حزبية ، الا اذا كان عن طريق تحالفات هشة من عشرات الاحزاب والتي لا يوجد لها سياسات او برنامج عمل يجمعها ، مما سيجعل اي حكومة تشكل على هذه الطريقة لا تختلف عن الحكومات الحالية . وحتى حزب جبهة العمل الاسلامي فأنه لا يملك امكانية الحصول على الاغلبية التي تؤهله الى ذلك الا بالتحالف مع احزاب اخرى عديدة .
علما ان الخروج من هذا المأزق لايمكن ان يتم الا من خلال العمل بما سبق ون قاله جلالة الراحل العظيم الحسين بن طلال ، باندماج جميع الاحزاب في ثلاثة الى خمسة احزاب تمثل التيارات المختلفة من يسارية ويمينية ووسطية ودينية ومدنية ، او في حلول هذه الاحزاب المحدودة مكان الدكاكين الحزبية القائمة . وكما كان يقول جلالته بأن الازدحام يعيق الحركة . وكما كرر الامر جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين من حيث دعوته الى تشكيل هذا العدد من الاحزاب ، وقوله انه لا يستطيع هو ان يشكل الاحزاب وان يجعل المواطنين ينضمون اليها . حيث ان الاحزاب حتى تكون مستقلة وحقيقية لا يمكن ان تشكل من قبل الحكومات ، ولا حتى من النظام نفسه وان تكون تابعة له . ولا بد وان تكون من خلال مبادرات شعبية مستقلة .
الا ان هذه الاحزاب لم تعمل على تحقيق ذلك ، واصرت على تواجدها منفردة وعلى تعددها ، بل وعلى تكاثرها . ودلك لعدم استعداد قياداتها لحل احزابهم والانطواء تحت ظل احزاب وقيادات أخرى ، ولانها لا تملك اي ارادة حقيقية بتعديل قانون الاحزاب ولا حتى قانون الانتخابات ، وانما جعلوا المطالبة بهما مجرد شعارات في مواجهة الحكومة وبحجة ان القانونين الحالية لا تحقق هذه الغاية وانه لا ارادة جادة لدى الحكومة لتعديلهما في حين ان بقاء هذه القوانين على حالها يؤمن لها امكانية استمرارها وتمويلها ، وهذا هو الاهم . فكان ان قام جلالة الملك بتشكيل اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية وخاصة القانونين المذكورين وشكلها من ممثلين عن جميع القوى السياسية والاجتماعية في الاردن ومن بينهم ممثلين عن الاحزاب الرئيسية ليلقي الكرة في ملعبهم . فهل هم فاعلون ؟
مروان العمد
١٤ / ٧ / ٢٠٢١

شارك:

شاهد أيضاً

د.منال الضمور تكتب : ناكر المعروف والجميل…

إن النفس التي تنكر الجميل والإحسان إليها وتتناساه نفس ساخطه، وإن نكران الجميل والجحود من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.